اخبار مصر
عندما أخذ قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين طريقه إلى البرلمان بعد إقراره من مجلس الوزراء يوم 22 أبريل الجاري، كانت “أمل” في طريقها لسحب مبلغ النفقة الذي يرسله لها زوجها كل شهر بعد أن قررت الانفصال عنه. فهي طوال خمس سنوات – كما تصف نفسها – “متزوجة على الورق، منفصلة في الواقع”.
فابتعدت “أمل” عن زوجها مع أولادها الثلاثة، ومنهم طفلان. مَضت في طريق المحاكم للطلاق منه، لكنها لم تحصل عليه؛ حيث إن أسبابها حول “صعوبة استمرار الحياة معه” لا تندرج ضمن ما تسمح به الكنيسة للانفصال أو بطلان الزواج.
وربما يمثل القانون الجديد مخرجًا لها ولغيرها. فلا تتوفر إحصائية رسمية دقيقة حول قضايا طلاق المسيحيين العالقة، لكنها يمكن أن تصل إلى 270 ألف حالة منظورة أمام المحاكم، بحسب تقديرات نجيب جبرائيل (رئيس محكمة الأحوال الشخصية الأسبق، ورئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان)، الذي يتوقع أن يحل القانون الجديد مشكلات أكثر من 70% من تلك الحالات.
فقبل خمس سنوات أخرى من وقت انفصال “أمل”، وتحديدًا عام 2016، شَرعت لجنة في تجهيز القانون بتعديلاته الجديدة، استنادًا إلى ما تنص عليه المادة 3 من الدستور: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية”. لكن طال الأمر لحين توافق الكنائس الست (الأقباط الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، والروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والإنجيليون، والكاثوليك) على صيغة واحدة.
وفي 35 اجتماعاً أجرتها اللجنة حتى 20 أبريل 2026، بحضور ممثل وزارة العدل وممثلي جميع الطوائف، تم إعداد النسخة الأخيرة لقانون وصفه منصف سليمان (الممثل القانوني للكنيسة الأرثوذكسية) بـ”أول قانون أحوال شخصية للمسيحيين وأطول قانون تم دراسته”.
لكن بحلول هذا الوقت، كانت “أمل” (49 عامًا)، وهي ربة منزل، قد شكلت حياتها على أساس أنها “لا متزوجة ولا مطلقة”. وإلى حد كبير، تعايشت مع هذه الفكرة رغم صعوبتها ماديًا ونفسيًا، كما تقول لـ”مصراوي”.
وتتساءل هذه الأيام عن “احتمالية أن يصحح القانون الجديد وضعها؟”، ثم تكمل: “مع الحفاظ أيضاً على حقي وما أتحصل عليه منه”.

قبل أن تصل إلى هذه المرحلة، كانت “أمل”، وهي امرأة صعيدية، قد تزوجت وعمرها 22 عامًا، وحاولت أن تتكيف مع حياتها، كما تحكي، فتقول: “حاولت كثيرًا أن أستمر مع زوجي بسبب أولادي، خاصة أني لا أعمل ولا أستطيع تدبير نفقاتهم، لكني تعرضت للإهانة والضرب، وأيضًا منعي من رؤية أهلي، وبعد فشل كل محاولات إصلاح الوضع، قررت الانفصال عنه”.
وعندما فشلت في الحصول على الطلاق، الذي لا يجوز إلا لعلة الزنا عند الكنيسة الأرثوذكسية، ولا يُسمح به بوجه عام عند الكاثوليك باعتباره “رباطاً مقدساً”، شَرعت “أمل” في قضية نفقة تتعلق بدفع زوجها مصروفات المعيشة ومصاريف مدارس أولاده الصغار، وهو ما تحصلت منه في نهاية الأمر على 1000 جنيه، قبل أن يرد بدعوى تخفيض نفقة ويقلل المبلغ لـ 600 جنيه كونه صار على المعاش.
ثم صرفت النظر عن باقي القضايا التي يمكن رفعها لزيادة المبلغ -سنويًا- بعد أن كلفها الأمر أتعاب المحامي ومصروفات أخرى، كذلك استبعدت خيار “شهادة تغيير الملة”، وهو تحايل بتغيير الانتماء الديني للحصول على الطلاق، الذي كان سيكلفها ما بين 100 – 150 ألف جنيه، وهو مبلغ ليس في إمكانياتها.
فطوال السنوات الماضية، لجأ البعض إلى شراء شهادات تغيير الطائفة من كنيسة داخل أو خارج مصر، لاستغلال نص وُضع بعدما أُلغيت المجالس الملية التي كانت تقضي بالأحوال الشخصية للمسيحيين وأحيلت القضايا للمحاكم المدنية سنة 1955، يذكر “أنه إذا اختلفت الملة تُطبق الشريعة الإسلامية، مما يسمح بالطلاق”، كما يذكر منصف سليمان (عضو مجلس النواب السابق، والممثل القانوني للكنيسة الأرثوذكسية)، وهو ما وصفه بـأنه “خلق فوضى هائلة”.

وفي نصوص القانون الجديد، الذي ينظم الزواج، والتطليق، والبطلان، والانحلال المدني، والحضانة، والرؤية، والمواريث، وغيرها من الأحكام الأخرى، لا وجود لهذا السبب؛ حيث ينص على أن “العبرة بعقد الزواج ذاته، ويظل الطرفان خاضعين لنفس الطائفة التي تم الزواج وفقًا لها حتى الوفاة”.
ولأن هذا الخيار لم يكن باستطاعة “أمل” من البداية، فقد توصلت لاتفاق ودي مع زوجها لإرسال مبلغ شهري ثابت لهم مقابل أن توقع على عقد اتفاق وتقر باستلامها للمبالغ حتى لا ترفع عليه دعوى بعدم سداده للنفقة المقررة، كما تحكي، وتقول: “رغم أن هذه المبالغ لا تكفي بأي حال الإيجار ومصروفات البيت ومدرسة ابني، عكس ما كنا عليه من قبل، لكني أشعر بالأمان نسبيًا من ناحية أخرى”.
لكن القانون الجديد سوف يحمل “بعض التيسيرات لإنهاء الزواج”، كما وصفها كل من منصف سليمان (عضو مجلس النواب السابق والممثل القانوني للكنيسة القبطية)، وجورج حليم (الممثل القانوني للكنيسة الكاثوليكية). فأشار الاثنان، في حديث تلفزيوني حول ملامح القانون، إلى أنه يعالج أيضًا مسألة بطلان الزواج، وأن هذا يحدث بسبب الغش بكل أشكاله عند إبرام عقد الزواج؛ مثل إخفاء معلومات جوهرية كالحالة الصحية أو الاجتماعية، أو ثبوت وجود مانع أساسي مثل عدم القدرة على الإنجاب أو الإخفاء المتعمد لحقائق مؤثرة.
كما أن الزنا، المنصوص عليه من قبل كسبب وحيد للطلاق، كما يقول الاثنان، “صار مفهومه أوسع، فلن يضطر أحد الطرفين إلى إثبات إقامة علاقة، بل بات هناك ما يسمى بـ”الزنا الحكمي”، أي صور مختلفة من الخيانة التي تنهي الثقة بين الزوجين”. وقد تُرِك للقاضي سلطة تقدير هذه الصور بناءً على الأدلة والقرائن الحديثة.
وتأخذ الكنيسة الأرثوذكسية، التي يتبعها معظم مسيحيي مصر، مسلكًا أكثر انفتاحًا مما كانت عليه في الماضي، بسماحها بانحلال الزواج بعد استحالة العشرة لثلاث سنوات. لذا تتعشم “أمل” أن تتماشى حالتها مع هذا النص القانوني باعتبارها تتبع الكنيسة الأرثوذكسية. فالقانون يوحد الإجراءات والمبادئ العامة والآثار المدنية للزواج عند ست طوائف مسيحية في مصر، لكنه يترك لكل كنيسة حرية في تطبيق معتقداتها الخاصة فيما يخص أسباب إنهاء العلاقة الزوجية.
وهو الأمر الذي يوضحه يوسف طلعت (المستشار القانوني للكنيسة الإنجيلية)، فيقول إن القانون يقسم انتهاء العلاقة إلى ثلاث فئات واضحة: “البطلان”، وهو ما تشترك فيه الكنائس في حالات محددة، وأيضًا “الانحلال”، و”التطليق”، وكلاهما تختلف شروطهما من طائفة لأخرى.
لذا فالأمر يبدو أكثر تعقيداً عند “ماريان”، وهي سيدة في منتصف الثلاثينيات تتبع الكنيسة الكاثوليكية؛ فهي منفصلة فعلياً منذ نحو ثلاث سنوات بعد زواج لم يستمر سوى عام واحد. فتقول: “لا يوجد طلاق في كنيستنا، ولا تناسب حالتي فكرة (بطلان الزواج) لأنه لم يكن هناك غش في شيء، بالعكس علاقتنا لازالت جيدة لكن الانفصال له أسباب أخرى خاصة، لذا حتى مع النصوص الجديدة لا أعتقد أن القانون سيفيدني”.
على هذا النحو، تسري أيضًا مسألة الزواج الثاني، فهي متروكة حسب دراسة كل كنيسة للحالة الموجودة أمامها، كما ذكر الممثلان القانونيان للكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية. لكن “أمل”، بكل ما مرت به، لا تفكر خارج حدود انفصالها بشكل رسمي يضمن لها حقها، فكما تقول: “لن أسعى في إجراءات الزواج مرة أخرى”.
وكانت فكرة القانون المنظم بدأت عام 1977 حين جمع البابا شنودة جميع الطوائف المسيحية وقدّموا مشروعًا موحدًا لوزارة العدل ووافقوا عليه، لكنه لم يرَ النور. ثم تكرر الأمر عام 1988 واختفى ثانية، ومرة أخرى في 2010، حين صدر حكم قضائي ألزم الكنيسة بزواج المطلقين، مما استدعى تدخل الدولة لتشكيل لجنة جديدة على أن تنتهي خلال شهر من عملها، قبل أن ينقلب كل شيء بعد قيام الثورة، وتعطل الأمر برمته منذ هذا الوقت حتى عام 2016.
ويرى المستشار محمود الشريف (وزير العدل) أن المشروع “جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة، وهو من شأنه أن يُسهل على جميع المخاطبين بأحكامه الاطلاع عليه والإلمام بكل ما تضمنه من قواعد دون مشقة، وييسر إلى حد كبير على القضاة العاملين في مجال الأحوال الشخصية الوصول إلى حكم القانون في المسائل المطروحة عليهم في آجال قصيرة”.
وأشار إلى أن جميع المسائل والموضوعات التي لا تستند إلى أصل عقائدي؛ كتلك المتعلقة بمسكن الزوجية، والرؤية، والحضانة، والاستزارة، ووثيقة التأمين، وملحق عقد الزواج، والعقوبات التي توقع عند مخالفة أحكامه، واحدة بالنسبة للجميع، وتتم صياغتها بالتوازي مع المقابل لها من أحكام في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين.
وفيما يتعلق بالميراث، فالتعديل الجديد سيسمح بتطبيق المبادئ المسيحية المستمدة من الإنجيل، بالمساواة بين الذكر والأنثى مع تطبيق قواعد جديدة في توزيع التركة، بما في ذلك في حال عدم وجود وريث من الذكور.
وبالتزامن، سيتم إحالة مشروع قانون الأسرة للمسلمين أيضًا للبرلمان، كما أكد رئيس الوزراء، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبما “يسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف”.
وتنتظر “أمل” إقرار القانون ومعرفة كيفية تنفيذه بالنسبة لكنيستها، فتقول: “سأتابع، فإن كان الطلاق في صالحي ويخدم مصلحة أولادي أكثر، سأعاود ما بدأته منذ سنوات، وإن لم يكن كذلك، فلا أعرف، ربما سيبقى الوضع كما هو”.
-أسماء الحالات المذكورة في القصة مستعارة؛ بناءً على طلبهن وحفاظاً على خصوصيتهن.
اقرأ أيضا:
جواب مشاهدة.. معاناة البحث عن طفل “مسيحي مجهول” لكفالته
كيف ينظم قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين حالات الزواج والطلاق؟
اقرا من المصدر
#كيف #يتابع #مسيحيون #منفصلون #تعديلات #قانون #الأحوال #الشخصية
اخبار مصر لحظة بلحظة

