ثقافة السمع.. الشائعة التي ترتدي ثوب الحقيقة

ثقافة السمع.. الشائعة التي ترتدي ثوب الحقيقة

اخبار مصر

في كثير من الأحيان لا تأتي المشكلة من نقص المعلومات، بل من وفرة الكلام غير الموثق. نعيش في زمن تتدفق فيه الأخبار بسرعة لافتة، لكن دون ضمان حقيقي لصدقها أو دقتها، وكأننا أمام سيل من الروايات يتنقل بين الألسنة أكثر مما يستند إلى مصادر واضحة. وهكذا يصبح المشهد المعلوماتي مزدحما، لكنه ليس بالضرورة أكثر وضوحا، بل قد يكون أكثر ضبابية وتعقيدا مما يبدو.

ما يُسمى بـ”ثقافة السمع” هو حالة اجتماعية يتعامل فيها الناس مع ما يصلهم عبر التداول الشفهي أو الرقمي باعتباره حقيقة مكتملة، دون أن يتوقفوا أمام أسئلة بديهية لكنها حاسمة: هل هذا الكلام صحيح؟ من أين جاء؟ وهل هناك ما يثبته؟ ومع غياب هذه الأسئلة، تتحول المعلومة تدريجيا إلى شائعة، ثم إلى “حقيقة متداولة”، رغم أنها لم تخضع لأي تحقق فعلي منذ البداية، وكأنها وُلدت جاهزة للتصديق لا للفحص.

المشكلة أن الشائعة لا تحتاج إلى جهد كبير كي تولد، لكنها تحتاج فقط إلى بيئة مناسبة كي تكبر. يكفي شخص واحد يروي قصة غير دقيقة، ثم آخر يعيد صياغتها بإضافة بسيطة، وثالث يضفي عليها قدرا من المبالغة، حتى تتحول في النهاية إلى رواية مكتملة تبدو مقنعة، رغم أنها فقدت ملامحها الأولى تماما. ومع استمرار هذا التدوير، يصبح من الصعب تحديد أين بدأت القصة وأين انتهت، وكأنها تشكلت ذاتيا دون أصل واضح، وكأن الحقيقة نفسها تراجعت خطوة إلى الخلف.

الأخطر من ذلك أن جزءا كبيرا من الناس يتعامل مع التكرار بوصفه دليلا على الصحة. فالمعلومة التي تتردد كثيرا تُكتسب تدريجيا هالة من المصداقية، حتى لو كانت بلا أي أساس. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”خداع الألفة”، حيث يصبح الشيء مألوفا لدرجة أنه يبدو صحيحا تلقائيا. وكأن العقل الجمعي يميل إلى الاعتقاد بأن ما يتداوله الجميع لا بد أن يكون صحيحا، متجاهلا أن الانتشار لا علاقة له بالصدق، بل غالبا ما يرتبط بالإثارة أو البساطة أو قابلية التصديق، لا أكثر.

ويرتبط انتشار هذه الثقافة بعوامل نفسية عميقة، أبرزها الفضول والرغبة في المشاركة الاجتماعية. فبعض الأفراد يشعرون بنوع من القيمة أو الحضور عندما ينقلون خبرا جديدا أو مثيرا، حتى لو لم يكونوا متأكدين من صحته. وهناك أيضا ما يُعرف بانحياز التأكيد، حيث يميل الإنسان إلى تصديق ما ينسجم مع توقعاته المسبقة، وتجاهل ما يخالفها. لذلك قد تنتشر الشائعة ليس لأنها قوية، بل لأنها “مريحة” نفسيا للبعض، أو توافق ما يريدون تصديقه أصلا.

ولا تتوقف آثار ثقافة السمع عند حدود الكلام، بل تمتد إلى الواقع بشكل مباشر وملموس. فقد تُشوَّه سمعة شخص بسبب معلومة غير دقيقة، وقد تتأثر علاقة اجتماعية نتيجة تفسير خاطئ أو خبر غير موثوق، وقد تُبنى مواقف وأحكام كاملة على أساس هش من “سمعتُ أن” بدلا من “تأكدتُ أن”. الأخطر أن هذه النتائج لا تحتاج إلى نية سيئة؛ فمجرد النقل غير المدقق كافٍ لإحداث ضرر حقيقي قد يصعب إصلاحه لاحقا.

وفي كثير من الحالات، لا يدرك الناس حجم التأثير الذي تتركه كلماتهم. جملة عابرة يتم تداولها بلا تحقق قد تتحول إلى صورة ذهنية مستقرة عن شخص أو حدث، وتستقر في الوعي الجمعي كأنها حقيقة ثابتة. ومع الوقت، لا يعود الناس يتذكرون المصدر، بل يتذكرون فقط “ما قيل”، وهو أخطر ما في الأمر، لأن الذاكرة الاجتماعية غالبا لا تهتم بالأصل بقدر ما تهتم بالتكرار.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعف هذا التأثير بشكل غير مسبوق. فالمعلومة لم تعد تحتاج إلى وقت طويل كي تنتشر، بل إلى لحظات فقط. إعادة النشر أصبحت فعلا تلقائيا لدى الكثيرين، والتعليق أسرع من التفكير، والتحقق صار خطوة مؤجلة أو مهملة. وهنا يتحول الفضاء الرقمي إلى بيئة خصبة لتكاثر الشائعات، ليس لأنه يصنعها دائما، بل لأنه يسرّع دورانها ويمنحها مظهرا من المصداقية بسبب كثافة التداول.

ويزداد الأمر تعقيدا مع تأثير “سلطة الجمهور”، حيث يميل البعض إلى تصديق المعلومة فقط لأنها حصدت تفاعلا كبيرا أو انتشارا واسعا. وكأن عدد المشاركات أصبح معيارا للحقيقة. هذا الخلط بين الشعبية والصدق يجعل الشائعة قادرة على التسلل بسهولة إلى الوعي العام، بينما تبقى الحقيقة أحيانا أقل حضورا لأنها لا تعتمد على الإثارة بل على الدقة، وهي أقل جاذبية بطبيعتها.

لكن مواجهة هذا الواقع لا تتطلب أدوات معقدة، بل تتطلب قدرا بسيطا من الوعي. يكفي أن يتوقف الفرد لحظة قبل نقل أي معلومة، ويسأل: هل هذا مؤكد؟ هل هناك مصدر واضح؟ أم أنه مجرد كلام متداول لا نعرف أصله؟ هذه اللحظة القصيرة قادرة على إيقاف سلسلة طويلة من التشويه قبل أن تبدأ، وكأنها فرامل صغيرة في طريق سريع مزدحم بالمعلومات.

ومن المهم إدراك أن الامتناع عن نقل المعلومة غير الموثوقة ليس سلوكا سلبيا، بل هو شكل من أشكال المسؤولية. فالصمت في هذه الحالة لا يعني الجهل أو الانسحاب، بل يعني اختيار عدم المساهمة في تضخيم الضباب. أحيانا يكون عدم المشاركة في تداول خبر غير مؤكد أكثر تأثيرا من عشرات التعليقات عليه، لأنه ببساطة يوقف دائرة الانتشار من بدايتها.

في النهاية، ثقافة السمع ليست مجرد عادة عابرة، بل أسلوب تفكير يحدد علاقة الإنسان بالحقيقة. إما أن يكون جزءا من بيئة تبحث عن الدقة وتقدّر التحقق، أو جزءا من دائرة تكتفي بما يصلها دون مراجعة. وبين الخيارين، يبقى الفارق الحقيقي بسيطا لكنه حاسم: لحظة واحدة من التفكير قبل ترديد ما يُقال قد تكون كافية للفصل بين وعي يتشكل وضجيج يتوسع بلا حدود، وبين مجتمع يعرف ما يقول ومجتمع يردد ما يسمع فقط.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#ثقافة #السمع. #الشائعة #التي #ترتدي #ثوب #الحقيقة

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *