اخبار مصر
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قرر استحضار سياسة “العصا الغليظة” في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، مُعيدا رسم ملامح الصراع مع كوبا بنَفَسٍ تصعيدي يتجاوز حدود الضغط التقليدي. فمن خلال الربط بين التهديد العسكري المباشر عبر حاملات الطائرات وبين خنق مفاصل الطاقة، لا يستهدف ترامب مجرد إضعاف النظام الشيوعي في الهافانا، بل يسعى لفرض “تغيير جذري” يُنهي عقودا من الاستعصاء السياسي، مما يضع القارة الأمريكية أمام منعطف تاريخي يذكر بذروة أيام الحرب الباردة.
وعيد أمريكي بالسيطرة العسكرية وحشد حاملات الطائرات
أثار دونالد ترامب، موجة واسعة من الجدل والتصعيد الدبلوماسي عقب تصريحات أدلى بها أمام جمهور في ولاية فلوريدا، أكد خلالها أن الولايات المتحدة ستتولى السيطرة على كوبا بشكل شبه فوري، مشيرا إلى إمكانية تحريك حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” لتستقر قبالة السواحل الكوبية فور عودتها من المهام المتعلقة بإيران.
وأوضح ترامب، بلهجة حادة، أن هذا التحرك العسكري الضخم سيُعجّل باستسلام القيادة الكوبية وتغيير النظام الشيوعي القائم في الجزيرة التي تبعد نحو 145 كيلومترا فقط عن سواحل فلوريدا.

عقوبات اقتصادية خانقة تستهدف مفاصل الدولة
وفي خطوة تنفيذية لهذا التصعيد، وقّع الرئيس ترامب أمرا تنفيذيا يفرض موجة جديدة من العقوبات “الصارمة” التي تستهدف المسؤولين في قطاعات الطاقة والدفاع والتمويل والأمن بالجزيرة الكاريبية.
وبرر البيت الأبيض هذه الإجراءات باتهام المسؤولين الكوبيين بالتورط في انتهاكات لحقوق الإنسان وقضايا فساد، بينما رد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريجيز، بوصف هذه العقوبات بأنها “غير قانونية وتعسفية” وتُخالف ميثاق الأمم المتحدة، معتبرا أنها تهدف إلى فرض عقاب جماعي على الشعب الكوبي الذي يعاني بالفعل من تبعات الحصار المستمر.
غليان شعبي واحتجاجات أمام السفارة الأمريكية
تزامنا مع هذه القرارات شهدت العاصمة الهافانا تظاهرات حاشدة أمام مقر السفارة الأمريكية بمناسبة “يوم العمال العالمي”، حيث ندد المتظاهرون بالحظر الذي تفرضه واشنطن على وصول إمدادات النفط إلى البلاد، وهو الإجراء الذي تسبب في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي وأزمة وقود طاحنة أثرت بشكل مباشر على المستشفيات ووسائل النقل العام والمؤسسات التعليمية.
ونشر وزير الخارجية الكوبي، مقاطع فيديو للاحتجاجات، مؤكدا أن الشعب الكوبي “لا ينكسر” أمام القوة العسكرية العظمى، وأنه مستمر في الدفاع عن سيادة وطنه رغم الضغوط المتزايدة، حسبما أفادت شبكة “بي بي سي” البريطانية.
تعثر المسار الدبلوماسي وتهديدات التجارة العالمية
تأتي هذه التطورات رغم تأكيدات سابقة للرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل، حول وجود مفاوضات مع الجانب الأمريكي لتحسين العلاقات بين البلدين، وهو المسار الذي يبدو أنه وصل إلى “طريق مسدود” مع إصرار ترامب على تشديد الحصار والتهديد بفرض رسوم جمركية على أي دولة تزود كوبا بالنفط ولم تنجح سوى ناقلة نفط روسية واحدة في الوصول إلى الجزيرة منذ بدء الحصار النفطي الأخير.
وفي الوقت الذي تحتفل فيه كوبا بمرور 100 عام على ميلاد الزعيم الراحل فيدل كاسترو تعود حدة التوتر بين واشنطن والهافانا إلى مستويات غير مسبوقة تذكر ببدايات الصراع الذي انطلق في ستينيات القرن الماضي.
كوبا هدف ترامب التصعيدي الأبرز حاليا
يأتي التصعيد الأمريكي الحالي ضد كوبا، ضمن استراتيجية ترامب الأوسع لاستعادة الهيمنة الأمريكية في “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة (أمريكا اللاتينية).
ويرى ترامب، أن كوبا تُمثّل “رمزا تاريخيا” للتحدي الشيوعي المستمر على بُعد 145 كيلومترا فقط من سواحل فلوريدا، كما أن النظام الكوبي يُعتبر من أبرز الداعمين لروسيا وإيران والصين في المنطقة.
لذلك يسعى دونالد ترامب لتحقيق هدف استراتيجي مزدوج وهو “إسقاط النظام أو إجباره على استسلام سياسي كامل”، واستخدام كوبا كنموذج لردع باقي الدول اليسارية في أمريكا اللاتينية.

شرارة الصدام المباشر بعد الثورة الكوبية
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا حالة من “التصعيد المتسارع” في أعقاب نجاح الثورة الكوبية عام 1959، وهو ما تجلى في مواجهات عسكرية مباشرة كان أبرزها محاولة الإطاحة بالنظام الشيوعي الذي أسسه فيدل كاسترو، حيث خططت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لعملية عسكرية تهدف إلى استعادة السيطرة على الجزيرة الكاريبية وتغيير مسارها السياسي بما يتوافق مع الرغبة الأمريكية في ذلك الوقت.
تفاصيل عملية خليج الخنازير العسكرية
وفي سبيل تنفيذ هذا المخطط قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتجهيز مجموعة من المعارضين الكوبيين المنفيين لشن هجوم برمائي واسع، حيث انطلقت العملية في 17 أبريل عام 1961 باستهداف منطقة “خليج الخنازير” الواقعة في جنوب كوبا، وكانت الآمال الأمريكية معقودة على أن تؤدي هذه الخطوة إلى انتفاضة شعبية تطيح بحكم كاسترو وتُنهي الوجود السوفيتي المتنامي في المنطقة.
فشل ذريع وإحراج تاريخي لإدارة كينيدي
بحسب “مكتب المؤرخ” في وزارة الخارجية الأمريكية، انتهت العملية العسكرية بفشل ذريع في غضون 72 ساعة فقط من بدايتها، حيث نجح الجيش الكوبي في التصدي للمهاجمين وإحباط الغزو بشكل كامل، مما أسفر عن أسر أكثر من 1100 عنصر من القوات الغازية.
وشكّلت هذه الهزيمة الميدانية إحراجا سياسيا وتاريخيا كبيرا لإدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي، وعززت في المقابل من مكانة فيدل كاسترو ونظامه محليا ودوليا كقوة صمود في وجه المحاولات العسكرية الخارجية.
اكتشاف الرؤوس النووية في الفناء الخلفي لأمريكا
تُعد أزمة الصواريخ الكوبية التي اندلعت في أكتوبر من عام 1962 أخطر مواجهة عسكرية شهدها تاريخ الحرب الباردة على الإطلاق، حيث بدأت شرارة الأزمة حين اكتشفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن الاتحاد السوفييتي شرع سرا في نصب منصات لصواريخ نووية متوسطة وطويلة المدى فوق الأراضي الكوبية.
ووضعت هذه الخطوة المدن الأمريكية الكبرى في مرمى “النيران النووية المباشرة”، مما فجّر حالة من الاستنفار القصوى داخل أروقة البيت الأبيض لمواجهة هذا التهديد الوجودي المباغت.
الحصار البحري وقرار المواجهة الصعب
ردا على هذا التحرك السوفييتي اتخذ الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، قرارا تاريخيا بفرض حصار بحري شامل حول الجزيرة الكاريبية لمنع وصول أي إمدادات عسكرية إضافية ورفع الجيش الأمريكي حالة التأهب إلى أعلى مستوياتها في تاريخه استعدادا لاندلاع حرب شاملة.
وعاش العالم على مدار 13 يوما حالة من “الرعب الحقيقي” من احتمالية نشوب نزاع نووي يقضي على البشرية خاصة مع اقتراب السفن السوفييتية من خط الحصار وتصاعد نبرة التهديدات المتبادلة بين القطبين الكبيرين.
اتفاق اللحظات الأخيرة وتفكيك فتيل الانفجار
انتهت الأزمة الوجودية باتفاق سياسي معقّد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يقضي بسحب الصواريخ السوفييتية من كوبا وتفكيك قواعدها تحت إشراف دولي، وفقا لمكتبة “جون إف. كينيدي” الرئاسية ووزارة الخارجية الأمريكية.
وفي المقابل، قدّمت واشنطن بموجب اتفاق عام 1962 تعهدا رسميا بعدم غزو كوبا أو الإطاحة بنظامها عسكريا، كما تضمن الاتفاق السري انسحاب الصواريخ الأمريكية من تركيا، وهو ما مهد الطريق لتهدئة واحدة من أكثر اللحظات حرجا في التاريخ المعاصر وأرسى قواعد جديدة لمنع التصادم النووي المباشر بين القوى العظمى.
ولا يبدو تصعيد ترامب تجاه كوبا مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل هو تحول استراتيجي نحو سياسة “الحسم” بدلا من “الاستنزاف”. فمن خلال دمج التهديد العسكري المباشر بالحصار الاقتصادي الشامل، تُراهن واشنطن على إحداث انهيار داخلي سريع يُنهي إرث الحرب الباردة في الكاريبي؛ غير أن نجاح هذه المقامرة يظل رهنا بقدرة النظام الكوبي على تحويل الضغوط الخارجية إلى زخم للمقاومة الوطنية، في مواجهة قد تُعيد صياغة توازنات القوى في القارة بأكملها.
اقرا من المصدر
#ترامب #يضع #كوبا #تحت #المجهر #العسكري
اخبار مصر لحظة بلحظة