اخبار مصر
اختلف خبراء اقتصاديون تحدثت إليهم “مصراوي” حول ما إذا كانت الحرب الإيرانية تمثّل نقطة تحول في هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، بين من يرى أن العملة الأمريكية ما تزال تستند إلى أسس اقتصادية صلبة تجعل تراجعها قريبًا أمرًا مستبعدًا.
بينما يعتبر رأي آخر أن التوترات الجيوسياسية واستخدام الدولار كأداة في الصراعات الدولية قد يُسرّعان وتيرة تآكل الثقة فيه، ويدفعان تدريجيًا نحو نظام نقدي أكثر تعددية.
يأتي الجدل في وقت تُظهر فيه البيانات استمرار هيمنة الدولار عالميًا، مدعومة بعمق الأسواق المالية الأمريكية وثقة المستثمرين، مقابل تحركات من قوى اقتصادية أخرى لتنويع العملات في التجارة والاحتياطيات، وهو ما يعكس مسارًا بطيئًا نحو تعددية نقدية دون إزاحة فورية للدولار من موقعه.
في ورقته البحثية المنشورة في 2004، يرى رئيس مجلس إدارة شركة إنتليجنس كابيتال أفيناش د. بيرسود، أن العامل الحاسم في صعود أي عملة لا يرتبط فقط باستقرارها، بل يعتمد بالأساس على حجم الاقتصاد وانتشاره في التجارة الدولية.
وأشار إلى أن العملات المهيمنة تاريخيًا لا تنهار بشكل مفاجئ، بل تتراجع تدريجيًا على مدى زمني، كما حدث مع الجنيه الإسترليني.
واعتبر بيرسود أن المنافس الأبرز للدولار على المدى الطويل هو اليوان الصيني، غير أن ذلك يظل مشروطًا بتفوق اقتصادي كامل وتحرير عملتها.
كان ذلك كنبوءة متقدمة في خضم هيمنة الولايات المتحدة على النظام الاقتصادي العالمي.
خلال حرب إيران الحالية، رجعت أصداء انهيار الدولار مرة أخرى، تأسيًا بما حدث مع “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، بعدما خرجت بريطانيا العظمى من الحرب العالمية الثانية منهكة اقتصاديًا وما استتبعه ذلك من فقد الجنيه الإسترليني بريقه لصالح الدولار الأمريكي العملة الصاعدة في حينها.
في تحليل نشرته صحيفة يني شفق التركية، قالت إن الرئيس ترامب سيُخلّد في التاريخ كزعيم أنهى الهيمنة الأمريكية وعجّل بتراجعها، إذ كشفت الحرب الإيرانية، حسب الجريدة، عن حدود القوة الأمريكية وأدت إلى عزلة الحلفاء وشكّلت نقطة تحوّل.
أما “نيويورك تايمز” فقد أجرت حديثًا مع كاتبي رأي هما كارلوس لوزادا و إي جيه ديون جونيور، ذكرا أن “الحرب الإيرانية ستتحول إلى ندم” حسب وصف الصحيفة الأمريكية، إذ أرجعا ذلك إلى نهاية دور الولايات المتحدة كقائدة للعالم اقتصاديًا وعسكريًا أصبحت وشيكة.
“مصراوي” تحدثت إلى 3 من خبراء الاقتصاد، حول نظرتهم إلى إمكانية زحزحة الدولار عن عرش الهيمنة الاقتصادية العالمية إثر الحرب الإيرانية الأخيرة، بينما تباينت آراؤهم حول إمكانية ذلك في المدى القصير.
آراء متشعبة ومنطلق واحد
استبعد أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية مدحت نافع تراجع هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، سواء على المدى القريب أو المتوسط، مرجحًا أن الحديث عن نهاية وشيكة للدولار “يفتقر إلى أساس اقتصادي صلب”.
وأوضح نافع لـ”مصراوي” أن قوة الدولار لا تستند إلى اعتبارات سياسية فقط، بل ترتبط أساسًا بضخامة الاقتصاد الأمريكي، الذي يمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يمنحه ثقلًا استثنائيًا في النظام النقدي الدولي.
بينما قال ديفيد لوبين الباحث ببرنامج الاقتصاد العالمي والتمويل بشركة مايكل كلاين، إن الدولار الأمريكي أظهر قدرة على الصمود خلال الحرب الأخيرة مع إيران، بينما يظل وضعه كملاذ آمن عالمي “بصعوبة”، كما صرح لـ”مصراوي”.
وحذر لوبين من تفسير أداء الدولار كدليل مطلق على قوته، موضحًا أن الواقع قد يعكس مرونة الاقتصاد الأمريكي نفسه، أكثر مما يعكس قوة هيكلية في مكانة الدولار.
وأضاف لـ”مصراوي” أن الولايات المتحدة أصبحت في السنوات الأخيرة أكبر منتج عالمي للطاقة والسلاح، وهو ما ساهم في تحصين اقتصادها نسبيًا من صدمات الحرب، مبينًا أن ذلك هو العامل الحقيقي وراء صمود الأسواق.
وقال علي كاظمي، رئيس قسم الضرائب في شركة بلاك روك، إن استخدام الدولار كأداة لإنفاذ السياسات الدولية والعقوبات هو المحرك الإستراتيجي المسرّع من وتيرة تراجعه كعملة مهيمنة اقتصاديًا.
وأشار إلى أن العالم في المراحل الأولى لتحول الدولار من مرتكز وحيد إلى عملة ثانوية ضمن نظام نقدي تعددي.
وأضاف لـ”مصراوي” أن أي صراع يؤدي إلى زيادة التوظيف السياسي للدولار سيؤدي إلى تسريع تآكل الثقة، مما يدفع النظام المالي العالمي نحو الاستقلال عن البنية التحتية الأمريكية.
الصين تظهر بهدوء لافت
ذكر لوبين إلى الأداء المستقر للأسواق الصينية، إذ حافظت عوائد السندات على استقرارها، بينما سجلت العملة الصينية تحسنًا ملحوظًا، في تطور وصفه بأنه “لافت”، خاصة في ظل كون الصين مستوردًا رئيسًا للطاقة، فضلًا عن انخفاض ضغوطها التضخمية مقارنة بالاقتصادات الأخرى وارتفاع احتياطاتها.
وأوضح لـ”مصراوي” أن الثقة العالمية تظل عاملًا أساسيًا لدعم هيمنة الدولار، لكنه أشار إلى أن هذه الثقة تشهد تآكلًا تدريجيًا، سواء قبل الحرب أو خلالها، في ظل سعي الصين إلى تدويل عملتها وتعزيز دورها عالميًا، مستفيدة من استقرار أسواقها.
بينما يرى نافع أن المقارنات مع الاقتصاد الصيني، رغم تقاربه مع الولايات المتحدة في حجمه الإجمالي، تظل “غير دقيقة”، حسب وصفه.
وأشار إلى أن الناتج الأمريكي يُوزع على نحو 350 مليون نسمة، بينما يتوزع الصيني على أكثر من 1.4 شخص، ما يعني أن الاقتصاد الصيني “مُستهلك داخليًا”، ما يحد من قدرته على التحول إلى بديل عالمي مكافئ.
كما لفت إلى أن عملات رئيسية مثل اليورو، رغم قوتها، لا ترقى إلى مستوى منافسة الدولار عالميًا، بسبب الفجوة في قوة الاقتصاد الداعم لكل منهما، وطبيعة النظام المالي المرتبط بالدولار، حسب ما قال لـ”مصراوي”.
صندوق النقد: الدولار يحتفظ بالصدارة
أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن توزيع العملات في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية شهدت نموًا طفيفًا في إجمالي الاحتياطيات، التي ارتفعت إلى نحو 13.14 تريليون دولار بنهاية الربع الرابع من 2025، مقارنة بـ13.03 تريليون دولار في الربع الثالث.
ورغم هذا الارتفاع، سجلت حصة الدولار تراجعًا لتصل إلى 56.77% مقابل 56.93% في الربع السابق، لكنها ما تزال تحتفظ بالمركز الأول بفارق كبير عن أقرب المنافسين.
وتعكس الأرقام استمرار هيمنة الدولار على الاحتياطيات العالمية، رغم بوادر تراجع، مقابل صعود بطيئ لعملات أخرى، ما يدعم فكرة التحول نحو نظام نقدي متعدد العملات تدريجي بطيئ.
إعادة التموضع ودروس التاريخ
ذكر كاظمي أن الدولار لا يواجه انهيارًا مفاجئًا، بل إعادة تموضع هادئة، حسب وصفه، حيث بدأت الدول بناء قدرات لتسوية تجارتها بعملات إقليمية أخرى، بهدف تقليل التعرض لعملة أصبحت تحمل معها خصومًا قانونية وسياسية ثقيلة.
وأشار إلى نموذج الجنيه الإسترليني، مبينًا أن الهيمنة لا تدوم للأبد وأنها تزول حين يتوقف العالم عن قبول الاختلالات التي تولدها العملة المسيطرة عالميًا، مسببًا ذلك بأن الولايات المتحدة هي أكبر مدين عالميًا، متوقعًا أن تصحيح وضع الدولار قد يكون أكثر فجائية وقسوة.
بينما رفض نافع المقارنات بين الوضع الحالي للدولار وتراجع الجنيه الإسترليني بعد الحرب العالمية الثانية.
وأوضح أن المملكة المتحدة آنذاك كانت منهكة اقتصاديًا وعسكريًا، واعتمدت بوضوح على الدعم الأمريكي خلال الحرب.
وأضاف لـ”مصراوي” أن بريطانيا تخلّت طواعية عن دورها القيادي، في وقت لم تعد تمتلك فيه مقومات الاستمرار بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لا ينطبق على الولايات المتحدة في الوقت الراهن، التي ما تزال تحتفظ بكامل أدوات قوتها الاقتصادية والسياسية.
واتفق لوبين مع نافع في أن أداء الأسواق الأمريكية خلال الحرب الإيرانية الراهنة يعكس “مكانة اقتصادية ما زالت صلبة”، إذ ارتفع الدولار بنحو 2% أمام سلة من العملات، بينما سجلت الأسهم الأمريكية أداءً أفضل نسبيًا من نظيراتها، في حين جاءت زيادة عوائد السندات أقل من مثيلاتها في اقتصادات كبرى أخرى.
وأضاف لـ”مصراوي” أن الحرب لم تُلحق ضررًا مباشرًا بمكانة الدولار، لكن “علامات التآكل موجودة”، حتى وإن كانت غير ظاهرة كاملًا حتى الآن، في إشارة إلى تحولات بطيئة قد تعيد تشكيل النظام المالي العالمي على المدى الطويل.
بينما يرى نافع أن أي حديث عن نظام نقدي عالمي بديل ما يزال “سابقًا لأوانه”، مشيرًا إلى أن الدولار سيظل العملة المهيمنة في المستقبل المنظور، في ظل غياب بديل قادر على الجمع بين عمق الأسواق وقوة الاقتصاد والثقة الدولية.
وأضاف لـ”مصراوي” أن الدولار اكتسب مكانته من قوة الاقتصاد الأمريكي في المقام الأول، وليس من أي غطاء تقليدي مثل الذهب، مضيفًا أن الولايات المتحدة تمتلك أيضًا أدوات قوة متعددة اقتصادية وعسكرية تمكنها من الدفاع عن تلك الهيمنة إذا لزم الأمر.
لا رغبة دولية في التخلي عن الدولار
ذكر نافع أن الدول لا تُظهر في الواقع رغبة حقيقية في التخلي عن الدولار، مشيرًا إلى أن حتى القوى الكبرى مثل روسيا لم تسعَ بشكل فعلي لإزاحته من مركز النظام المالي، رغم التوترات الجيوسياسية والعقوبات.
وفيما يتعلق بمحاولات التكتلات الاقتصادية مثل “بريكس” لتقليل الاعتماد على الدولار، قال نافع لـ”مصراوي” إن هذه الجهود لم تُحدث أثرًا ملموسًا حتى الآن، مشيرًا إلى أن الدول المشاركة تدرك محدودية هذه التحركات.
وأوضح أن الحالات التي يُستخدم فيها عملات محلية في بعض المعاملات، فإن تلك العمليات غالبًا ما تعود بشكل غير مباشر إلى الدولار كمرجعية نهائية، ما يعكس استمرار هيمنته الفعلية على النظام المالي العالمي، حسب وصفه.
إلا أن كاظمي يرى أن الثقة تآكلت في حيادية الإطار النقدي الدولي، إذ أصبح الوصول إلى النظام المالي رهنًا بالمواقف السياسية أو التوترات العسكرية، وهكذا يتحول تنويع العملات من مجرد خيار اقتصادي إلى خيار إلزامي لإدارة المخاطر لا يملك النظام العالمي رفاهية تجاهله.
اقرا من المصدر
#بين #الصمود #والتآكل. #هل #تهز #حرب #إيران #عرش #الدولار
اخبار مصر لحظة بلحظة

