كيف ولماذا تقود مصر وساطة “الفرصة الأخيرة” في حرب إيران؟

كيف ولماذا تقود مصر وساطة “الفرصة الأخيرة” في حرب إيران؟

اخبار مصر

تستقر منطقة الشرق الأوسط اليوم على فوهة بركان جيوسياسي نشط، حيث تمتزج روائح البارود الكثيفة بهشاشة المبادرات الدبلوماسية المطروحة. وفي غمرة ترقب الأنفاس لمهلة اليومين التي أعلنتها الإدارة الأمريكية قبل أن تمدها إلى 5 أيام، مقترنةً بخريطة طريق لوقف إطلاق النار تتألف من 15 بندًا، تدور في الكواليس المعتمة رحى معركة طاحنة من نوع آخر، حيث تتسابق استراتيجيات الخداع العسكري المبيّت مع محاولات الإنقاذ الاقتصادي العاجلة.

في قلب هذا المشهد بالغ التعقيد، وحيث تتأرجح العواصم بين وعود السلام الملغمة وكوابيس الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، تبرز الدبلوماسية المصرية بحراك مكثف ومفاجئ لقيادة ما يُمكن وصفه بوساطة “الفرصة الأخيرة”.

غير أن هذا التدخل المصري الثقيل – إلى جانب تركيا وباكستان – لا ينطلق من فراغ تكتيكي، ولا يبتغي مجرد الحضور البروتوكولي، وهو يتحرك بدوافع وجودية صارمة ومصالح عليا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشرايين الاقتصاد المحلي المتأزم وأمن الخليج المهدد.

فكيف تُهندس القاهرة هذه اللعبة الدبلوماسية بالغة الدقة وسط غابة من انعدام الثقة المتبادل؟ ولماذا قررت إلقاء ثقلها الاستراتيجي في هذا التوقيت الحرج؟ وكيف تصطدم هذه المساعي الإقليمية بمخططات اجتياح مرعبة قد تكون تُحاك بصمت في أروقة البنتاجون؟

مصر وحرب إيران وهندسة الاحتواء

لم تختر القاهرة الانخراط في هذه الأزمة عبر الخطابات الرنانة، وقد لجأت إلى هندسة دبلوماسية دقيقة تعتمد على “الالتحام المباشر” مع خطوط النار السياسية، مرتكزة على مبدأ ثابت يعتبر أمن الخليج جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

تجلى هذا بوضوح في الزيارات المكوكية الطارئة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كل من المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة ودولة قطر، وهي تحركات صُممت خصيصًا كرسالة تضامن قاطعة مع الدول التي طالتها نيران الاستهداف الإيراني، وللتأكيد على وقوف مصر كحائط صد دبلوماسي.

على التوازي، أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي جولات مكثفة شملت عدة عواصم خليجية، حاملًا معه تحذيرًا صريحًا وعاجلًا من أن منطقة الشرق الأوسط تقترب بخطى متسارعة من حافة “الانفجار” الشامل إذا لم يتم تدارك الموقف.

وقد حرصت مصر على إدانة الضربات الإيرانية بوضوح ووصفتها بأنها “غير مقبولة وغير مبررة”، لكنها في الوقت ذاته حافظت ببراعة على شعرة معاوية، مبقيةً قنوات الاتصال الساخنة مفتوحة مع المسؤولين في طهران لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة.

الرئيسي السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلكان

كيف تقود مصر دبلوماسية متزنة في حرب إيران؟

لتفكيك آلية هذه الدبلوماسية المصرية، يقدم إتش. إيه. هيللير، الباحث الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، قراءة تحليلية عميقة واصفًا هذا دور القاهرة بـ “الاحتواء التكتيكي”.

يوضح هيللير أن مصر تدرك بواقعية شديدة أنها لا تملك أوراق الضغط المباشرة (الرافعة السياسية) اللازمة لفرض تسوية حقيقية على الإسرائيلين والإيرانيين، ولذلك فهي تتجنب التورط في التزامات عسكرية أو سياسية لا يمكنها الإيفاء بها، لتلعب القاهرة دور “الرابط الدبلوماسي” أو “المنسق الإقليمي المفيد”، حيث تدير التصورات الإقليمية وتحشد المواقف العربية الموحدة لبناء جدار صد دبلوماسي مشترك.

تتطابق هذه القراءة مع ما طرحه ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في “مجموعة الأزمات الدولية”، وهو يؤكد أن القاهرة تدير الأزمة عبر مسارين متوازيين بدقة بالغة؛ الأول يهدف لحماية اقتصادها الداخلي من الانهيار، والثاني يركز على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتصارعة، مستفيدةً من وضعها الاستراتيجي كدولة لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، مما يجنبها الاستهداف المباشر ويمنحها مساحة أوسع للمناورة الهادئة.

نزيف قناة السويس.. محرك البقاء الاقتصادي

إذا كان هذا هو “كيف” تدار الوساطة، فإن الإجابة على سؤال “لماذا” تتدخل القاهرة بكل هذا الثقل، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة البقاء الوجودي للدولة المصرية. إذ لا رفاهية لدى صانع القرار المصري في اختيار العزلة.

ووفقًا لمراكز الأبحاث الدولية، تُعد مصر الدولة الإقليمية الأكثر عرضة للضرر الاقتصادي المباشر والمدمر جراء هذه الحرب الطاحنة. وتبرز هنا أزمة “قناة السويس”، التي تمثل أعظم الأصول الاستراتيجية للبلاد، كأكبر محرك لهذا التدخل الدبلوماسي الثقيل.

يقول خبير النقل الدولي أسامة عقيل، في تصريحات نقلتها صحيفة “الشرق الأوسط”، أن حركة الملاحة في قناة السويس تراجعت بنسبة مرعبة بلغت 50% منذ اندلاع شرارة الصراع الأخير بين واشنطن وطهران، وذلك بسبب الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين البحري وتصاعد المخاطر الأمنية التي دفعت كبريات شركات الشحن العالمية لتحويل مسار سفنها للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح.

هذا النزيف الملاحي المتجدد يشكل طعنة غائرة في جسد الخزانة المصرية التي تعاني أساسًا من ضغوط هائلة، خاصةً بعدما صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن مصر فقدت بالفعل نحو 10 مليارات دولار من إيرادات القناة الحيوية بسبب التداعيات السابقة لحرب غزة واضطرابات البحر الأحمر.

وتزداد الصورة حدة مع التقارير الاستخباراتية البحرية الصادرة عن منصة “ويندوارد”، والتي وثقت إغلاقًا شبه كامل لمضيق هرمز الحيوي، حيث سُجل عبور 5 سفن فقط في يوم واحد، فضلًا عن انتشار عمليات التشويش الإلكتروني الملاحي في الخليج.

هذه المعطيات كلها تؤكد للقاهرة أن أي اتساع لرقعة الحرب سيعني شللًا نهائيًا وتامًا لشرايين التجارة العالمية، وهو ما سيترجم فورًا إلى موجات تضخمية غير مسبوقة تضاعف الأعباء على المواطن المصري، مما يجعل من إنجاح الوساطة ووقف إطلاق النار معركة دفاع أولى عن الأمن القومي والاقتصادي لمصر.

قناة السويس

الفوارق الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة وإسلام آباد

لمواجهة هذا المشهد الكارثي، تشكلت واجهة وساطة ثلاثية فرضت نفسها كضرورة حتمية على اللحظة الراهنة، غير أن مقارنة دور مصر مع دوري تركيا وباكستان تكشف عن تباين جذري يعكس تنوع أدوات النفوذ والمصالح الجيوسياسية. فبينما تقف مصر كقوة “تنسيق سياسي” توفر الغطاء والمظلة العربية وتدير تصورات الأزمة لتجنب الفوضى، تلعب إسلام آباد الدور الميداني الأكثر التماسًا مع الأطراف المتصارعة.

وقد تحول قائد الجيش الباكستاني، المشير سيد عاصم منير، إلى حلقة الوصل العسكرية والسياسية الأهم بين واشنطن وطهران، بينما كانت بلاده هي الناقل الفعلي لـ “خطة السلام الأمريكية ذات الـ 15 بندًا”، كما أعلن رئيس وزرائها شهباز شريف استعداد بلاده التام لاستضافة المباحثات الحاسمة والمباشرة بين الجانبين، مستثمرة جوارها الجغرافي المعقد مع إيران.

وعلى الضفة الأخرى، تمارس تركيا لعبة دفاعية هجومية مختلفة تعتمد على ثقلها كعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وكجار حدودي مباشر ومؤثر لإيران. إذ قاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حملة دبلوماسية شرسة شملت عشرات الاتصالات المكثفة مع نظرائه في واشنطن وطهران ومصر والاتحاد الأوروبي.

تنطلق أنقرة في مساعيها، وفقًا للتصريحات الحازمة للرئيس رجب طيب أردوغان، من مبدأ فرض “حكمة الدولة” لإبقاء تركيا القوية خارج “حلقة النار” الإقليمية، محذرًا من أن استمرار هذه الحرب وإغلاق مضيق هرمز سيدفع بالاقتصاد العالمي إلى هاوية اضطراب عميق.

هكذا، تبرز الهندسة الثلاثية: احتواء ومظلة سياسية مصرية، ووساطة لوجستية وميدانية باكستانية، وضغط حدودي ودولي تركي.

ولكن، أي معوقات تنتظر هذه الجهود الثلاثية؟

جدار انعدام الثقة.. تفكيك الرواية الإيرانية

رغم هذه الشبكة الدبلوماسية الثلاثية المحكمة، تصطدم مساعي “الفرصة الأخيرة” بواقع سياسي إيراني متشكك للغاية، يرى في المبادرات الأمريكية مجرد فخاخ استراتيجية.

بنص كلماته التي تعكس الموقف الإيراني العميق، يفكك السفير الإيراني السابق في أذربيجان، أشفار سليماني، حقيقة الموقف الإيراني، مؤكدًا أن واشنطن لجأت لخطة الـ 15 بندًا لأن “ترامب فشل في تحقيق أهدافه غير المشروعة من خلال عدوان عسكري غير قانوني وغير حكيم على إيران، والوقوع في فخ نتنياهو”، وما استتبعه ذلك من آثار سلبية كارثية على الداخل الأمريكي.

السفير الإيراني السابق بأذربيجان أشفار سليماني

ويضيف سليماني، في تصريحاته الخاصة لـ “مصراوي“، متحدثًا عن نية واشنطن، فيقول: “لقد صُممت الخطة تكتيكيًا لشراء الوقت لأي مغامرات محتملة والسيطرة على سوق الطاقة والتوترات في السوق العالمية، ولم تتغير استراتيجية التدخل المتغطرسة التي ينتهجها البيت الأبيض تجاه إيران”.

ويشدد الدبلوماسي الإيراني على نقطة جوهرية تعرقل أي سلام حقيقي، وهي أن ترامب استهدف الدبلوماسية بمدافعه مرتين سابقًا أثناء التفاوض، مما خلق “جدارًا عاليًا من انعدام الثقة”. بينما يؤكد على أن “الحكومة الإيرانية تعترض على المقترحات الأمريكية ولا سبيل للموافقة عليها”، معتبرًا أن ترامب يفتقر لأبسط قواعد لباقة رجال الدولة ويطلق التصريحات بلا تفكير.

فخ واشنطن المحتمل.. لماذا تُحضر الفرقة 82؟

ما يزيد من صعوبة مشهد الوساطة هو ذلك التناقض الصارخ والمخيف بين الكلمات الناعمة الصادرة عن البيت الأبيض حول المفاوضات في الأسبوع الرابع للحرب، وبين هدير الآلة العسكرية الأمريكية التي تحتشد سرًا.

هذا الخداع الاستراتيجي يشير إليه الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، فيقول إن “الداخل الأمريكي نفسه لا يصدق ما يقوله ترامب لأن تصريحاته وقراراته تتغير يومًا بيوم”، معتبرًا أن كل الحديث عن التهدئة هو مجرد تلاعب لشراء الوقت، وأن “ترامب يراوغ بمسألة التلويح بأن هناك مباحثات لمباغتة إيران وضربها مرة أخرى”.

ويؤكد عفيفي، في حديثه لـ”مصراوي“، أن الإدارة الأمريكية تدفع بالآلاف من القوات سرًا إلى المنطقة. ويضيف: “أعتقد أن ترامب يمهد لحرب أطول، خاصةً بعدما تم إرسال قوات المشاة البحرية إلى المنطقة وقوات التحرك السريع بحيث يمكن أن تصل إلى أي مكان في خلال 18 ساعة”.

مهدي عفيفي

يبلغ الكابوس العسكري ذروته مع تصريح عفيفي بأن التحشيد وصل إلى مرحلة اللاعودة، موضحًا: “الآن هناك أخبار أن الفرقة 82 وهي فرقة المظليات التي تستخدمها الولايات المتحدة للإنزال خلف خطوط العدو تم إرسالها بالفعل إلى منطقة الشرق الأوسط.. هذا الحشد غير المسبوق هو أكبر دليل على أن الولايات المتحدة الأمريكية أقرب إلى نية الغزو البري”.

يرسم هذا المشهد بكل تعقيداته كيف أن هذا الجهد الدبلوماسي الثلاثي، الذي تقوده القاهرة وأنقرة وإسلام أباد، يجد نفسه اليوم في مسار تصادمي مرعب. فمن جهة، ترتطم المبادرات بجدار إيراني صلب من انعدام الثقة في الأمريكيين، ومن جهة أخرى، ينسف التحشيد العسكري الأمريكي كل حديث عن السلام، ليطرح معه تساؤلًا جادًا، لا يزال ينتظر إجابة أمريكية مقنعة للحلفاء والوسطاء قبل الإيرانيين: كيف تستقيم خطط التهدئة ذات الـ 15 بندًا بينما تقترب “الفرقة 82” النخبوية من المنطقة، وتستعد قوات المشاة البحرية لما قد يكون إنزالًا خلف خطوط العدو في اجتياح بري مرتقب؟

اقرا من المصدر

#كيف #ولماذا #تقود #مصر #وساطة #الفرصة #الأخيرة #في #حرب #إيران

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *