صلّينا وارتحنا… لكن ماذا عنهم؟

صلّينا وارتحنا… لكن ماذا عنهم؟

اخبار مصر

صلّيتَ خلفه ليلةً كاملة… ثم عدتَ إلى بيتك مرتاحًا، لكن هل فكرت يومًا: ماذا حدث له بعد أن انصرف الجميع؟

هل تذكر يا صديقي تلك الليالي الرمضانية التي ودعناها للتو؟ تلك الأجواء الروحانية التي غمرت قلوبنا في رمضان 2026، حيث كانت القاهرة تتلألأ بأنوار الإيمان، ومآذن الحسين، والسيدة نفيسة، والجامع الأزهر الشريف، وعمرو بن العاص، وحتى مسجد مصر الكبير بالعاصمة الإدارية، تصدح بآيات الذكر الحكيم. كنتَ هناك، بين آلاف المصلين، تتلقى نفحات الرحمة وتتذوق حلاوة الإيمان، لكن هل تساءلت يومًا عن الثمن؟

هل فكرت في ذلك الرجل الذي كان يقف أمامك، يرتل القرآن بصوت يخلع القلوب، بينما العرق يتصبب من جبينه، وصوته يتهدج… ليس فقط من خشية الله، بل من إعياء حقيقي استوطن أحباله الصوتية منذ ليالي رمضان الأولى؟

يا عزيزي القارئ، دعني أكشف لك الستار عن كواليس تلك الليالي المباركة، لنرى أولئك «المجاهدين الصامتين» الذين حملوا على عاتقهم أمانة ثقيلة. إنهم المشايخ والدعاة في مساجد مصر، الذين واصلوا الليل بالنهار في سباق لا يهدأ، لا لشيء إلا لأنهم حملوا أمانة القلوب التي انتظرت منهم كلمة تداوي جراحها، أو دعوة تفتح لها أبواب السماء في زمن كثرت فيه الهموم. لقد احترقت أعصابهم وتآكلت أجسادهم من فرط التعب، ليضيئوا لنا دروب الإيمان.

هل تعلم يا صديقي كيف كان يوم «مولانا» يبدأ في رمضان؟ لم يكن يبدأ مع أذان المغرب كما قد تظن، بل كان ممتدًا منذ سحر الليلة السابقة. تراه يجلس في زاوية المسجد بعد صلاة العصر، يراجع ورده ليؤم الناس بإتقان، يحيط به عشرات السائلين؛ هذا يسأل عن فتوى، وتلك تشكو ضيق حالها، وآخر يطلب منه التدخل للصلح بينه وبين أخيه. كان يبتسم في وجوههم جميعًا، بقلب يتسع للجميع، رغم أن معدته خاوية، ورأسه يثقل بصداع الصيام، لكنه كان يرى في حاجة الناس بابًا للجنة لا يُغلق.

وحين يحين موعد الإفطار، لا تظن أنه يجلس خلف مائدة عامرة بين أهله. في كثير من الأحيان، يكون إفطاره تمرات وماء على عجل في غرفة صغيرة داخل المسجد، أو لقمة سريعة يتقاسمها مع العاملين، وعينه على الساعة، فصلاة العشاء والتراويح على الأبواب. ينهض مثقلاً بالتعب، لكنه بمجرد أن يكبر «الله أكبر» ويبدأ في القراءة، كأن روحًا جديدة تسري فيه، وكأن شيئًا خفيًا يمنحه القدرة ليمنحنا نحن السكينة.

أتعلم يا عزيزي ما هو أصعب ما واجهه هؤلاء؟ لم يكن طول القيام، بل ذلك «النزيف الروحي». فبعد التراويح، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ جولة جديدة من الدروس والخاطرات، ثم التنقل بين المساجد تلبية لدعوات الناس. رأيت أحدهم في ليلة من ليالي رمضان، وقد بحّ صوته تمامًا حتى صار يهمس همسًا، ومع ذلك جلس إلى رجل بسيط يبكي من ضيق الرزق، يواسيه لأكثر من ساعة حتى هدأ قلبه، ثم عاد إلى بيته قبل السحر، ليسقط من شدة الإرهاق.

هذه ليست حكاية استثنائية، بل مشهد يتكرر كل ليلة في مساجد مصر، لكن خلف الكواليس، بعيدًا عن الأضواء.

هؤلاء الرجال يا صديقي، لم يكونوا مجرد مؤدين لطقوس دينية، بل كانوا أطباء للقلوب في زمن كثرت فيه الأوجاع. كانوا يبكون في دعاء القنوت بصدق يخلع القلوب، لا تمثيلًا ولا رياءً، بل لأنهم كانوا يشعرون بآلام الناس الذين يقفون خلفهم. دموعهم كانت خلاصة تعب طويل، ومناجاة لا يراها أحد.

وفي النهاية، بعد أن انقضت ليالي رمضان وعدنا إلى روتين الحياة، هل تذكرنا هؤلاء؟ هل تذكرنا ذلك الرجل الذي كان يقف طويلًا حتى انحنى ظهره قليلًا، وغارت عيناه من قلة النوم؟ تذكر أنه بشر مثلك، يشتاق لأولاده، ويتألم جسده، لكنه اختار أن يتعب… لتطمئن أنت.

هؤلاء هم حراس الروح في مساجد مصر. فادعُ لهم بظهر الغيب، فربما لولا إخلاصهم وتعبهم، لتاهت قلوب كثيرة في زحام الحياة. لا تدع رمضان يمر دون أن تتذكر من أحيوا لياليه بجهدهم وصدقهم، فهم يستحقون كلمة تقدير، ودعوة صادقة، لعل الله يتقبل منا ومنهم.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#صلينا #وارتحنا.. #لكن #ماذا #عنهم

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *