اخبار مصر
من ظهره، يمشي بطل لعبة (GTA) الشهير وهو يقول “Here we go again” (ها نحن من جديد)، تقطعه لقطات حقيقية لقصف أهداف إيرانية. وعند تدمير المركبة الظاهرة في الفيديو، تظهر كلمة “WASTED” بمعنى “تمت تصفيته” بالخط الأحمر العريض على الشاشة، وهي نفس الرسالة التي تظهر في اللعبة عند موت الشخصية.
هذا ما ظهر في أحد المقاطع المصورة التي نشرها البيت الأبيض بعد حوالي 6 أيام من شن الولايات المتحدة حربها على إيران في 28 فبراير. ثم لحق به نحو 10 فيديوهات أخرى تعتمد على الإيقاع السريع ومزج لقطات حقيقية (Unclassified) لضربات الطائرات والانفجارات الحية مع لقطات أفلام حين ينطق أبطالها بكلمات حماسية وتغطيها موسيقى أو أغنية صاخبة أو عناصر ألعاب مثل مؤشرات التصويب وعدادات النقاط التي تظهر عند إصابة الهدف.
OPERATION EPIC FURY
• Destroy Iran’s missile arsenal.
• Destroy their navy.
• Ensure they NEVER get a nuclear weapon.Locked in. pic.twitter.com/ika3MMJmZT
— The White House (@WhiteHouse) March 6, 2026
بهذه الطريقة غير المألوفة، خاطب البيت الأبيض نحو 22 مليوناً و117 ألفاً من متابعي منصاته الثلاث: تيك توك، إنستغرام، وX، وبالطبع غيرهم. واختزل بها الحرب التي راح ضحيتها 13 جندياً أمريكياً وما لا يقل عن ألفي شخص في أنحاء الشرق الأوسط في مجرد محاكاة مسلية.
فيديوهات ساخرة، لا يتجاوز أطولها الخمسين ثانية، لكنها ربما حملت ما يستحق التحليل: ما دلالتها؟ ولمن وصلت؟ وكيف استقبلها المتابعون؟

فالعملية التي أطلق عليها دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة) اسم “الغضب الملحمي” عبر اختيارها من قائمة بها أسماء مقترحة، تصورها تلك الفيديوهات بمشهد من لعبة “كول أوف ديوتي” (نداء الواجب)، وهي لعبة إطلاق نار مليئة بالإثارة، وبالتحامات كرة القدم الأمريكية مع أغنية “Thunderstruck” المرتبطة بلحظات الدخول المذهل والمهيب، وبرجل يحقق ضربة قاضية في لعبة البولينغ، وفي اللقطة التالية تنهار دبابيس البولينغ التي تمثل “مسؤولين في النظام الإيراني” عندما تضربها كرة ملفوفة بالعلم الأمريكي.
@whitehouse STRIKE 💥🦅
♬ original sound – The White House
نرى شخصيات الأفلام الشهيرة في مقطع مدته 42 ثانية: جلادياتور والرجل الحديدي (Iron Man)، ووالتر وايت وهو يقول: “أنا لست في خطر، أنا الخطر”، وتوم كروز في فيلمه “توب جن – Top Gun”، الذي يجسد فيه شخصية الطيار في سلاح الجو الأمريكي، وسوبر مان المدافع عن الحقيقة والعدالة والقيم الأمريكية، و”جون ويك” القاتل المأجور أسطوري الأداء صاحب الانتقام المدمر، وحتى سبونج بوب، الشخصية الكرتونية الطفولية، خرج وهو يكرر: “هل تريدون رؤيتي أفعلها مرة أخرى؟”.. وتخلل كل ذلك مشاهد تدمير معدات عسكرية مع أصوات صواريخ.
لكن ماذا يعني كل هذا؟
ربما تحمل هذه المقاطع القصيرة الكثير مما يؤمن به “ترامب” نفسه الذي اختار شعار حملته “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، ولطالما فضل استخدام لغة حادة أو حماسية في خطاباته، كذلك استعراضه الدائم للقوة.
وفي أحاديثه الحالية حول حربه على إيران، يكرر الرئيس الأمريكي أمام الكاميرات مراراً أن إيران “هُزمت” و”سُحقت” و”دُمرت قدراتها”، كأنه يتعجل إعلان انتصاره في مشهد أقرب لنهاية “لعبة”، بعيداً عن الواقع الذي لا تزال إيران فيه تخترق السماء بصواريخها ومسيراتها وتفرض سيطرتها على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارتي النفط والغاز في العالم، غير صور الإجلاء من السفارات والمنشآت الأمريكية.
ويصر على معارضة ردود الأفعال الغاضبة من قراره بشن الحرب، وكان آخرهم جو كينت (مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب)، الذي أعلن استقالته أمس الثلاثاء احتجاجاً على حرب إيران. وقال في بيان على منصة “إكس”: “بعد الكثير من التأمل، قررت الاستقالة من منصبي، لا يمكنني بضمير مرتاح دعم الحرب الجارية في إيران. لم تشكل إيران تهديداً وشيكاً لبلدنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي في الولايات المتحدة”.
وبينما كان “ترامب” يرد عبر حسابات البيت الأبيض بمقطع جديد أشبه بالدعاية لفيلم أكشن، كان ابن عم الرقيب الفني تايلر سيمونز، أحد الطيارين الستة الذين لقوا حتفهم عندما تحطمت ناقلة وقود أمريكية الأسبوع الماضي، يتحدث لمحطة WCMH التابعة لشبكة ABC News في أوهايو، ويقول: “إن العائلة تعيش أسوأ كابوس يمكن أن نتخيله على الإطلاق.. كان من الممكن تجنب هذا. لم نكن بحاجة إلى خوض هذه الحرب. هذا أمر غير مبرر، وهذه هي النتيجة”.
يتجاهل “ترامب” كل هذا، ويقول في أكثر من مناسبة: “لقد انتصرنا.. الحرب انتهت في الساعة الأولى.. لكن علينا أن ننهي المهمة”، وهو المحتوى نفسه الذي يستعين بشخصيات الألعاب والأفلام لقوله.
والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو “القتال والنجاح والهيمنة”. فهؤلاء ليسوا أخياراً أو أشراراً، بل إن الأمر كله يتلخص في القوة والفوز.

وإذا كان الرئيس الأمريكي يريد أن يضغط على زر النهاية والفوز مبكراً، كما يعلن بنفسه، فتدعمه هذه الفيديوهات القصيرة التي تركز على استهداف الجمهور الأصغر سناً، وهم الفئة الغالبة على هذه المنصات. ويبدو أنه نهج جديد بدأ الفريق المسؤول عن الاتصالات ومحتوى المنصات الرقمية بالبيت الأبيض اتباعه منذ أن جاء “ترامب” إلى السلطة مرة أخرى في يناير 2025؛ فابتعدوا في بعض الأحيان عن نشر معلومات أو صور رصينة، ولجأوا إلى صور ساخرة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي.
ويرد ستيفن تشيونغ (مدير الاتصالات في البيت الأبيض) على جدل الفيديوهات الأخيرة خلال فقرة بثها جيك تابر من شبكة CNN، فيقول ساخراً: “شكراً لتغطية جميع مقاطع الفيديو الرائعة لدينا”.
ولم تكن تلك المرة الأولى للرد بهذا الشكل، فيلمح مسؤولو البيت الأبيض بوضوح إلى عدم اكتراثهم بالآراء المنتقدة لهذا الاتجاه. ففي أوائل يوليو عام 2025، حمل موظفو الفريق الرقمي بالبيت الأبيض لوحة بيضاء إلى الممر المؤدي إلى الحديقة الشمالية، حيث تنتشر كاميرات وسائل الإعلام، وكتب عليها في منشور على الحساب الرسمي على X: “يا إلهي، هل نشر البيت الأبيض هذا حقاً؟”.
بينما يرى نيكولاس كول (أستاذ الاتصال في مدرسة آننبرغ للاتصال والصحافة في جامعة جنوب كاليفورنيا)، في تصريحات له نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” أن “تحويل الإدارة رسائل الحرب إلى ميمز وألعاب يمثل تغيراً جذرياً مقارنة بالأساليب التقليدية الأكثر تحفظاً التي اعتادت استخدامها الإدارات السابقة عند الترويج للحروب”.

وعرفت تلك المقاطع طريقها إلى الملايين على منصات التواصل، فتحولت إلى مادة تهكم في ظل ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة في أول أسبوعين فقط من الحرب؛ فيقول لوكاس أيدت: “الحرب ليست مزحة”، فيما يقول آخر يدعى أوستن: “أي من هذه المقاطع كان يمثل المدرسة التي قمتم بتفجيرها؟” (المقصود هو استهداف مدرسة للأطفال في إيران، وهو الأمر الذي نفاه ترامب وحمّل إيران مسؤولية قصفها).

وربما خلق ذلك زخمًا جعل هناك تفاعلًا ملحوظًا على حساب البيت الأبيض على “تيك توك” وفقًا لتحليل أداة “Exolyt”؛ حيث تشير بياناتها إلى نمو خلال الأسبوع الثاني من مارس (الفترة من 08 إلى 14 مارس 2026) في عدد المتابعين، و7.9 مليونًا من الإعجابات وأكثر من 2.2 مليون مشاركة (Shares)، وكانت المنشورات الثلاثة الأعلى مشاهدة هي الفيديوهات المصنوعة بهذه الصيغة الترفيهية.


وإلى جانب الجمهور الغاضب، أثار هذا الأمر ردود فعل سلبية من بعض الأشخاص الذين ظهروا في الفيديوهات دون علمهم، بمن فيهم إد ريد وراي لويس، لاعبا فريق بالتيمور رافينز السابقان، وصرح الثاني: “لم أوافق على استخدام صورتي أو لقطات من مباراتي في كرة القدم لمقارنة كرة القدم بالحرب. اللعبة التي أعشقها تقوم على الانضباط والاحترام. الحرب شيء مختلف تماماً، فالأرواح في خطر. حفظ الله جنودنا وعائلاتهم”.
ودعا الممثل والمخرج بن ستيلر البيت الأبيض إلى إزالة مقطع فيديو من فيلم “Tropic Thunder”، وهو فيلم ساخر صدر عام 2008 عن أفلام الحرب قام بإخراجه وكتابته بالاشتراك مع آخرين. وقال على موقع X: “لم نمنحكم الإذن قط، وليس لدينا أي مصلحة في أن نكون جزءاً من آلة دعايتكم. الحرب ليست فيلماً”.
اقرأ أيضا:
فاتورة الإيرانيين بعد الحرب.. استقبال العيد بأسعار مرتفعة وكميات قليلة
التوترات الإقليمية.. اضطراب الطيران يربك خطط عودة المصريين مع نهاية رمضان
في إيران والخليج.. كيف تتأثر البيئة البحرية والهواء بحرب المنطقة؟
اقرا من المصدر
#بالرجل #الحديدي #وسبونج #بوب. #هكذا #حول #البيت #الأبيض #الحرب #الإيرانية #إلى
اخبار مصر لحظة بلحظة

