خصام طلعت حرب وأم كلثوم!

خصام طلعت حرب وأم كلثوم!

اخبار مصر

في كتاب «من مذكرات سائق تاكسي» (دار المصري للنشر، 2026) نطالع خلاصة تجربة منسوبة إلى سائق تاكسي يُدعى (م.ك.أ) يتحدّث فيها عما سمعه من الركاب على امتداد 40 عامًا في المهنة. إلا أن محقق الكتاب عمرو شقروة يقول في تقديمه لهذه المذكرات إنه كان من الأنسب أن يُطلَق على هذه المذكرات اسم «مذكرات صحفي»؛ فالمحتوى الوارد بين صفحاتها يفيض بحكايات مصوغة بعناية، وقصص تحمل قدرًا واسعًا من الثقافة، ووعيًا عميقًا بما يدور في كواليس السياسة والصحافة المصرية. ويرى عمرو شقروة أنه من الصعب، بل يكاد يكون مستبعدًا، أن تتوافر لسائق تاكسي -مهما بلغ من العلم والتجربة- كل هذه الأسرار والخبرات المتشعبة، أو أن تكون في جعبته تلك التفاصيل التي لا يصل إليها إلا من عاش داخل تلك الدوائر أو احتك بها عن قرب.
الأرجح، كما يقول محقق الكتاب، أن مصطفى القشاشي قد لجأ إلى حيلة أدبية مقصودة، حين ألصق الكتاب بشخصٍ آخر، اتقاءً للنقد أو تجنبًا لصدام محتمل، خاصةً أن الكتاب يتناول قضايا متعددة، ويمس شخصيات من مختلف المستويات، ولا يترك موضوعًا شائكًا أو مثيرًا للجدل إلا وتطرَّق إليه بلا تردد.
ورغم أن المؤلف المزعوم يؤكد أنه سلَّم مذكراته إلى الصحفي النقابي مصطفى القشاشي ليصوغها بالطريقة التي يراها مناسبة، كما فعل سابقًا مع «مذكرات حلاق سيدات» (دار المصري للنشر، 2026)، الصادرة سابقًا عن مطابع مجلة «الصباح»، والمكتوبة بالأسلوب نفسه الذي يميز قلم القشاشي. ويرى محقق الكتاب أنه من الواضح أن طبيعة النصوص والأسلوب والمحتوى لا تمتُّ بأية صلة حقيقية إلى مجرد مذكرات سائق تاكسي، وأن الصوت الذي نقرؤه في الكتاب هو صوت كاتب محترف.
عثر عمرو شقروة على نسخة من هذا الكتاب فوق رفٍّ مهمل في مكتبة صغيرة في السيدة زينب؛ بغلافه الوردي المصفر، وقطعه الصغير الأنيق، ودار نشره العريقة التي أصدرت يومًا مجلة «الصباح»، وما إن قرأ الكتاب حتى وجد فصولًا آسرة، وقصصًا تكشف عوالم فنية وسياسية وثقافية نادرًا ما تجتمع بين دفتي كتاب واحد.
يستهل مؤلف المذكرات كلامه بالقول:
«قضيتُ في مهنتي (سائق تاكسي) أربعين عامًا تقريبًا، عرفتُ خلالها كثيرًا من المشاهير في عالم الطب والمحاماة والصحافة والهندسة والفن… وكانوا جميعًا لثقتهم بي يتحدَّثون في أثناء ركوبهم معي بصراحة تامة، سواء مع زملائهم وأصدقائهم الذين يركبون معهم أو معي شخصيًا في حالة ركوب أحدهم وحده.
ولما كانت المعلومات التي سمعتها خلال هذه المدة الطويلة تجمع بين المعلومات التاريخية والفنية التي لا يعرفها كثيرون، وتجمع كذلك بين الفكاهة والطرائف والمآسي، فقد رأيتُ أن يطلع أبناء وطني على هذه المعلومات في شكل مذكرات، وعهدتُ بصياغتها ونشرها إلى دار جريدة «الصباح» ومطابعها لصاحبها الأستاذ مصطفى القشاشي» (ص 13-14).
تحت عنوان «أصحاب الملايين الذين فاجأهم الموت» نقرأ:
«من أصحاب الملايين الذين فاجأهم الموت قبل أن ينشئوا في حياتهم أثرًا في أعمال البر والخيرات يخلدون به ذكرهم المرحوم حسين سري رئيس الوزراء الأسبق، فقد توفي فجأة وله ثروة عقارية ومالية تقدَّر بمليون جنيه تقريبًا.. وتوفي المليونير حسن شعراوي في أوروبا ونُقِل جثمانه إلى مصر. وله في بنوك أوروبا ثروة مالية ضخمة… أما المليونير أحمد نجيب الجواهرجي، فقد توفي فجأة هو الآخر في كازينو سان استيفانو. وله ثروة عقارية ومالية قدَّرتها مصلحة الضرائب بأكثر من نصف مليون جنيه، وليست له زوجة ولا أولاد طبعًا. وأصبحت الثروة من حق أشقائه وشقيقاته بعد أن تأخذ الحكومة نصيبها في التركة.. وممن فاجأهم الموت أيضًا المرحوم طه مخلوف، وهو من أعيان مديرية المنيا، وكانت تجارته أولًا قاصرة على توكيلات شركة السجائر الشرقية (ماتوسيان)، وكانت أرباحه السنوية فيها تُقدَّر بمئات الألوف من الجنيهات، ثم توسع في تجارة أصناف أخرى، وحصل على توكيلات من شركات الأدوية العالمية، فكان هو الوحيد الذي يستورد أشهر الأدوية المتداولة والفيتامينات المختلفة، فأصبح بهذا التوسع في عداد أصحاب الملايين، ثم توفي فجأة» (ص 33-34).
في فصل آخر يحمل عنوان «صفاء بعد خصام بين طلعت حرب وأم كلثوم»:
«إن إنشاء استوديو في مصر لإنتاج الأفلام السينمائية كان مجرد فكرة نشرها الأستاذ أحمد بدرخان في جريدة «الصباح» عندما كان يحرر القسم السينمائي فيها تقريبًا سنة 1936.
وما كاد المغفور له محمد طلعت حرب يقرأ هذه الفكرة في جريدة «الصباح» حتى اتصل تليفونيًا بالأستاذ مصطفى القشاشي صاحب جريدة «الصباح»، وطلب منه أن يحضر لمقابلته في بنك مصر، وأن يصحب معه الأستاذ أحمد بدرخان محرر قسم السينما في «الصباح». وفي أثناء المقابلة قال المرحوم طلعت حرب إنه على استعداد لإنشاء استوديو لصناعة السينما في مصر تنفيذًا للفكرة التي قرأها في «الصباح».. ولكن إنشاء هذا الاستوديو يتطلب نخبة من الشبان يكون لهم دراية وخبرة بشؤون السينما ليتولوا الأعمال الفنية في الاستوديو، وهذا لا يتحقق إلا بإيفاد شبان من المصريين إلى أوروبا في بعثات فنية لدراسة فنون السينما كالإخراج والتصوير والإنتاج، وهذه البعثة من الشبان تكون نواة للاستوديو للعمل فيه بعد إنشائه.
وهنا أبدى الأستاذ أحمد بدرخان حينئذ، وهو من طلبة الحقوق، رغبته في أن يسافر في بعثة لدراسة فن الإخراج السينمائي في أوروبا. فرحب المرحوم طلعت حرب بهذا الاستعداد، ووعد بتنفيذ الفكرتين فورًا: فكرة إنشاء الاستوديو، وفكرة إيفاد بعثات من الشبان المصريين إلى أوروبا لدراسة فنون السينما.
وحاولت أسرة الأستاذ أحمد بدرخان وعلى رأسها السيدة الجليلة والدته أن تمنعه من السفر إلى أوروبا لدراسة السينما، وأخذت توالي إقناعه بمواصلة دراسة الحقوق، ولكن أحمد بدرخان استطاع استغلال حنان والدته، خصوصًا أنه وحيدها، فتمكن من إقناعها بأن دراسته للسينما في أوروبا خير له من الاستمرار في دراسة الحقوق.
وسافر أحمد بدرخان إلى باريس فعلًا في بعثة لحساب استوديو مصر لدراسة الإخراج السينمائي، والتحق باستوديو شركة «باتيه» في باريس، وعند زيارة طلعت حرب لباريس زار بدرخان في استوديو «باتيه» الذي التحق به للدراسة، وقابل كبار الفنيين في الشركة، واطمأن منهم على بدرخان، وشهدوا كلهم بذكائه وعبقريته.
وكان من أعضاء البعثات السينمائية أيضًا محمد عبد العظيم وموريس كساب وحلمي رفلة وغيرهم.
وبعد أن عاد بدرخان إلى مصر بعد إتمام دراسته للإخراج في باريس كان الاستوديو قد تم إنشاؤه، فتولى إخراج أول فيلم غنت فيه أم كلثوم في السينما لحساب استوديو مصر، وهو فيلم «وداد»» (ص 135-137).
ولمناسبة الحديث عن استوديو مصر وتاريخه وأسباب إنشائه، حدث أن أحمد سالم كان قد تولى إدارة الاستوديو فترة من الوقت، وكانت أم كلثوم في هذه الفترة تذهب إلى الاستوديو لتكملة مناظر الفيلم، فلاحظت من تصرفات أحمد سالم ما جعلها تشكوه إلى الاقتصادي الوطني طلعت حرب، لكن هذه الشكوى قوبلت بغير ما كانت تتوقع أم كلثوم، فانصرفت بعد مقابلتها لطلعت حرب غاضبة.
وكانت أم كلثوم تعلم الصلة الودية المتبادلة بين طلعت حرب والصحفي النقابي مصطفى القشاشي، فصرحت للقشاشي بتصرفات أحمد سالم في استوديو مصر والجانب الذي تناولها وأغضبها من هذه التصرفات، ثم غضبها أكثر وأكثر من أنها عندما زارت طلعت باشا في مكتبه وبدأت بالإشارة إلى تصرفات أحمد سالم في الاستوديو لم يقابل حديثها عن هذه التصرفات بما كانت تتوقعه، فأبلغها القشاشي أن طلعت باشا لا يستمع إلى الشكاوى التي تصل إليه من مديري الشركات إلا في مقابلات خاصة، ليتمكن من مناقشتها والوقوف على حقيقتها، أو أن الشكاوى تُقدَّم إليه مكتوبة ليتولى التحقيق فيها بنفسه.
ولا بدَّ أن بعض الزوار كانوا في مكتب طلعت باشا حرب عندما بدأت بالحديث بالشكوى من تصرفات أحمد سالم، فلم يرحب بالاستماع لهذا الحديث، وهو بهذا لم يرفض الاستماع إلى الشكوى، خصوصًا إذا كانت أم كلثوم ذات المركز العظيم والمكانة المحترمة هي التي تتحدَّث، وإنما يبدو أن طلعت باشا أراد فقط تأجيل الحديث.
فقالت أم كلثوم لمصطفى القشاشي: الآن أدركت أني تعجلت. لقد كان مدحت باشا يكن فعلًا في المكتب مع بعض الزوار. فقال لها القشاشي: إذن فاطمئني واعتقدي أني في أول فرصة سأجعلكِ تشعرين أن مكانتكِ عند طلعت باشا هي هي.. بل وأكثر.. وأن ملاحظاتكِ ستنفذ على الوجه الأكمل.
وبعد أيام انتهز القشاشي فرصة انفراده بطلعت حرب في منزله، وذكر له الأسباب التي تجعل أم كلثوم على حق في شكواها من أحمد سالم، وأن أم كلثوم تسامحت كثيرًا مع أحمد سالم، وتغاضت عن تصرفاته، ولكنه لم يقدِّر تسامحها وتغاضيها.
اقتنع طلعت حرب بأن أم كلثوم على حق، فطلب من مصطفى القشاشي أن يحدد معها موعدًا لاسترضائها. في الموعد المحدد، زارها طلعت حرب في منزلها، وقدَّم لها هدايا ثمينة، وكان أثمن منها تلك العبارات اللطيفة التي عبَّر بها عن تقديره لفنها. وكان لزيارته أحسن الوقع وأطيب الأثر في نفس أم كلثوم (ص 139-141).


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#خصام #طلعت #حرب #وأم #كلثوم

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *