اخبار مصر
بعد منتصف ليل الأحد الماضي، كان “علي” ينتظر تناول وجبة السحور التي تجهزها زوجته، لما سمع أن صوارِيخ أُطلقت من لبنان، فخرجوا جميعًا بثياب النوم ومعهم حقيبة صغيرة بها ما توفر لهم من النقود وأوراقهم المهمة فقط، متجهين نحو وسط بيروت، عند البحر، دون تحديد مكان بعينه.
في مثل هذه الحالات يكون الرد متوقعًا بالنسبة لـ”علي” وغيره من اللبنانيين الساكنين بالضاحية الجنوبية لبيروت؛ سترد إسرائيل فورًا بقصف مناطقهم. ولم تمضِ سوى ساعة ونصف تقريبًا على تحرك “علي”، إلا وأعلن حزب الله اللبناني، فجر الاثنين، استهداف موقع عسكري شمالي إسرائيل، جنوب مدينة حيفا، بدفعة من الصواريخ وسرب من الطائرات المسيرة، ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان واغتيال علي خامنئي (المرشد الإيراني).
ووسط الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وضربات إيران على إسرائيل ودول خليجية، مهدت 6 صواريخ فقط لحزب الله طريقًا لإسرائيل لفتح جبهة قتال جديدة مع لبنان، حيث شنت غاراتها على ما أسمته “مواقع حزب الله” بمناطق في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بالقرب من بيت “علي” في منطقة المريجة.
وقبل نحو عام، وقعت إسرائيل وحزب الله اتفاق الهدنة بعد هجمات متبادلة بين الطرفين في أعقاب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي لم يتعاف بعض النازحين من بصماتها على بيوتهم ومتاجرهم بعد.
اقرأ: رحلة عاهد: من بساتين الكرز إلى النزوح والدمار في لبنان
وأدت تلك الغارات الجديدة إلى مقتل ما لا يقل عن 31 شخصًا وإصابة أكثر من 100 من المدنيين (وفقًا لوزارة الصحة اللبنانية). وفي 24 ساعة فقط، راح سبعة أطفال وأُصيب 38 آخرون، بحسب ما أعلنته اليونيسف في لبنان، غير نزوح واسع للسكان الذين اكتظت الطرق بهم في مشهد يتكرر للمرة الثانية خلال أقل من عامين. انطلقوا عبر ازدحام خانق يمتد لأميال، فقصدوا منازل الأقرباء والأصدقاء، أو ذهبوا نحو مراكز الإيواء في بيروت، أو حوّلوا سياراتهم إلى مكان نوم مثلما فعل “علي” (42 عامًا) عندما وصل إلى حي عين المريسة الساحلي بالعاصمة.
وحتى أمس الاثنين، كان هناك نحو 30 ألف شخص يقيمون في مراكز إيواء جماعية خصصتها الحكومة، وفقا لتقدير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين. لكن “علي” لم يفكر فيها كملاذ له ولأسرته باعتبارها “مزدحمة وغير مناسبة”.
وبحلول ليلة نزوحه الثانية، ازداد الزحام حوله أكثر على طول البحر، بعدما أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيره لسكان أكثر من خمسين بلدة لبنانية، يطالبهم بالإخلاء الفوري، والابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر.
هناك، دار حوار بين سيدتين افترشتا الأرض على البحر، ولفتا أنفسهما بالبطانيات: “ما عرفنا كيف هربنا، العالم كله بيصرخ وبالشوارع”، “ولادي كان بدهم يتسحروا، وما قدرنا نتسحر من ورا الضربات، دوغري جينا لهون، وبعدن ولادي صايمين”، “كل الليل قاعدين، بردنا، والنوم بعد ما نمنا.. ما عارفين وين بدنا نروح؟”.
وتابع هؤلاء منشورات مواقع التواصل الاجتماعي ورئاسة مجلس الوزراء التي تنشر تباعًا لقوائم مراكز الإيواء القادرة على استيعاب نازحين، وأغلبها بالمدارس.
وكانت “دلال” (اسم مستعار)، بين مئات الأشخاص الذين تدفقوا على مركز إيواء بجبل لبنان، وتقول: “تاني مرة نطلع بعد حرب الـ 2024.. والله ملينا”. وحولها، كان مسؤولو الإغاثة يوزعون مساعدات وأغطية.


ووصف نواف سلام (رئيس الحكومة اللبنانية)، إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان ضد إسرائيل بأنه “عمل غير مسؤول ومشبوه”. وقال، عبر منصة “إكس”: “هذا العمل يعرّض أمن لبنان وسلامته للخطر ويمنح إسرائيل الذرائع لمواصلة اعتداءاتها عليه.. لن نسمح بجر البلاد إلى مغامرات جديدة، وسنتخذ كل الإجراءات اللازمة لتوقيف الفاعلين وحماية اللبنانيين”.
وأعلن “سلام” في كلمته، أن الدولة اللبنانية ترفض أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وأضاف: “إن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، مما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية”.
وبأكثر من طريقة، تحدثت الحكومة عن اتخاذ الأجهزة العسكرية والأمنية الإجراءات لمنع تكرار ما جرى في ليلة الأحد، التي يصفها “علي” بـ”الليلة المشؤومة”، ويقول وهو يحاول تدبير طعام الإفطار لأولاده بالشارع: “ما كان عبالنا هيك نقضي رمضان.. نلمّ ولادنا ونركض عالطرقات وبمراكز النزوح.. وما حدا عارف إمتى بتخلص!”.
اقرا من المصدر
#سحور #لم #يكتمل. #رمضان #لبنان #يتحول #إلى #ليالي #نزوح #جديدة
اخبار مصر لحظة بلحظة

