الكلمة هيبة الوطن.. الإعلام المصري بين العبث والرقابة اللغوية

الكلمة هيبة الوطن.. الإعلام المصري بين العبث والرقابة اللغوية

اخبار مصر

في مرحلة حاسمة من تاريخ الدولة المصرية، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع الأزمات الخارجية، يصبح الإعلام خط الدفاع الأول، أو أول جدار ينهار أمام ضياع صورة الوطن ومعنى الرسالة. فالإعلام ليس مجرد شاشة مضاءة وكاميرا تدور، بل هو عقل يفكر بصوت عال، ولسان أمة يتحدث باسمها أمام نفسها وأمام العالم. وعندما يضعف هذا الصوت أو يتصدع لسانه، يخسر المجتمع والهوية والهيبة معا.

لقد كانت مصر يوما مدرسة للإعلام العربي، والكلمة فيها مقام، والصوت مسؤولية، واللغة عنوان هيبة. يكفي أن نستحضر أسماء مثل محمد حسنين هيكل في الصحافة، وأحمد سعيد في الإذاعة، لنفهم معنى الصياغة المحكمة والحضور اللغوي الذي يفرض الاحترام قبل أن يصل الصوت إلى الأذن. كانت اللغة آنذاك عمود الخيمة، لا زينة لفظية، والجملة تبنى كما يبنى الجسر: بحساب ودقة واتزان، وبوعي تام بأن الكلمة هي مرآة الفكر والضمير.

أما اليوم، فنحن أمام مشهد كارثي يهدد مصداقية الإعلام ومكانته في قلوب المصريين. أخطاء نحوية فادحة، خلط بين الفصحى والعامية بلا داع، ضعف في مخارج الحروف، وتراكيب ركيكة تقدم إلى جمهور واسع باعتبارها خطابا عاما. كيف يقنع إعلامي جمهوره وهو يتعثر في أبسط قواعد اللغة؟ وكيف يطلب من المواطن احترام الرسالة إذا كانت أداتها مكسورة؟

وتتضاعف المشكلة مع ظاهرة شراء الهواء، حيث يدخل بعض الإعلاميين المنصات بلا أي معرفة مهنية أو لغوية، أو بعد أن فشلوا في العمل الصحفي الحقيقي وطردوا من مؤسساتهم. يلجأ هؤلاء إلى شراء وقت بث ليصنعوا حضورا مصطنعا، قائما على دموع متمثلة وصراخ مفتعل، وبرامج تعتمد على استعراض العاطفة أكثر من طرح الحقيقة. هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى مهنة الإعلام، بل تهين المشاهد المصري وتضعف هيبة الدولة أمام الداخل والخارج.

إن مسؤولية ضبط هذا العبث تقع على عاتق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بوصفه الهيئة المسؤولة عن تنظيم المشهد الإعلامي. فالمجلس لم ينشأ ليكون شاهدا سلبيا على الفوضى، بل ليكون ضابط الإيقاع، ويطبق معايير واضحة وصارمة. برئاسة الوزير المهندس خالد عبد العزيز، تتضاعف مسؤولية وضع نظام رقابي دوري لا يقتصر على المحتوى السياسي أو الأخلاقي، بل يمتد إلى الكفاءة المهنية واللغوية، ليكون الإعلامي مؤهلا قبل أن يسمح له بالظهور على الشاشة.

ومن هنا تنبع الضرورة الوطنية الملحة: إخضاع الإعلاميين لتدريب لغوي مكثف، يضم النحو والصرف وفنون الإلقاء ومخارج الحروف، مع اختبارات دورية لقياس الكفاءة. ليس هذا قسوة، بل صيانة للمهنة وحماية لصورتها. فمن لا يملك أدواته اللغوية لا يمكنه توجيه الرأي العام، ومن يتصدر الشاشات بلا لغة سليمة يضعف مصداقية الإعلام بالكامل.

إن ضعف اللغة لا يقف عند الخطأ النحوي، بل يمتد إلى خلل أعمق في المنهج. الإعلام الذي يفتقد أدواته الأساسية يصبح منصة للضجيج والفوضى: صراخ يغطي على الحجة، دموع مصطنعة تغطي على الحقيقة، وانفعال يغطي على التحليل. والكلمة المرتبكة تصنع رسالة مشوشة، تؤثر على وعي المشاهد وتضعف قدرته على التمييز.

ومن هنا، يجب أن يصبح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ليس مجرد هيئة رقابية شكلية، بل هيئة نشطة، تضع برامج تقييم دورية، وتلزم القنوات بتقارير أداء شهرية، وتنشئ لجانا تضم أساتذة لغة وإعلاما لتقييم الإعلاميين قبل وبعد ظهورهم على الشاشة. هذه اللجنة يجب أن تكون حاسمة، لا تجامل، وتحدد مستوى الأداء المقبول وغير المقبول، لضمان عودة الهيبة إلى المهنة وصون صورة الدولة.

ويضاف إلى ذلك أن احترام اللغة لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى الخارج. صورة مصر في الخارج تتأثر بما يبث من شاشاتها: من برامج تستعرض السلبيات، ومن دموع مصطنعة، ومن تحليلات مغلوطة. الإعلام مرآة الدولة، وكل اختلال في المرآة ينعكس على الوجه الحقيقي للوطن.

إن إصلاح الإعلام يبدأ من إصلاح لغته. الكلمة الواضحة تصنع احترامها، والجملة السليمة تقنع قبل أن تنفعل، والصوت المنضبط يفرض حضوره دون صراخ أو تجميل. أما الخطاب المرتبك لغويا فهو فاقد للهيبة، حتى لو ارتفع صوته.

لا أحد يطالب بإعلام جامد أو ممل، بل بإعلام يحترم جمهوره، ويصون ثقافة الدولة، ويعيد إليها مصداقيتها. أهل البيوت الذين يفتحون شاشاتهم كل مساء لهم الحق في محتوى محترم، وعرض واضح، وتحليل يقوم على معرفة لا على ارتجال. ومن لا يملك القدرة على تقديم ذلك، يجب أن يخضع للتدريب أو الرقابة، قبل أن يسمح له بالظهور على الهواء.

إن مصر أكبر من أن تقدم بلسان مكسور، وأعرق من أن تخاطب بجمل مضطربة، وأعمق من أن تشوه صورتها في الداخل والخارج بسبب تراخي المهني واللغوي. إخضاع الإعلاميين لامتحانات لغوية دورية، ووضعهم تحت رقابة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليس خيارا إداريا، بل ضرورة وطنية، لضمان هيبة الكلمة وكرامة المهنة وصون صورة الوطن.

الكلمة هي البداية، وهي الحد الفاصل بين الفوضى والانضباط، بين الهيبة والاستخفاف. ومن يحسن لغته يحسن التعبير عن وطنه، ومن يحافظ على الكلمة يحفظ هيبة الدولة، ويؤكد أن الإعلام المصري قادر على استعادة مكانته بين جماهيره وفي العالم، لغة وأداء ومهنية.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#الكلمة #هيبة #الوطن. #الإعلام #المصري #بين #العبث #والرقابة #اللغوية

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *