أزمة حدودية متجددة.. ماذا يحدث بين الكويت والعراق؟

أزمة حدودية متجددة.. ماذا يحدث بين الكويت والعراق؟

اخبار مصر

كتب : مصراوي



04:10 م


23/02/2026



تعديل في 04:13 م

أزمة إحداثيات جديدة تلوح في أفق العلاقات الخليجية العراقية؛ حيث عادت قضية “ترسيم الحدود البحرية” بين الكويت والعراق لتتصدر المشهد الدبلوماسي من جديد. فبين خرائط أودعتها بغداد لدى الأمم المتحدة واعتبرتها “سيادية”، ومذكرة احتجاج كويتية وصفتها بـ “المساس بالسيادة”، انفتحت جبهة قانونية وتاريخية معقّدة، استدعت دخول مصر على خط الأزمة بدعوات للتهدئة وتغليب لغة العقل في توقيت إقليمي شديد الحساسية.

احتجاج كويتي واستدعاء رسمي

وفي تفاصيل الأزمة، سلّمت الكويت مذكرة احتجاج رسمية إلى بغداد، ردا على قيام العراق بإيداع قائمة إحداثيات وخارطة لدى الأمم المتحدة تتضمن ادعاءات حول مناطق بحرية تابعة للكويت، وهو ما اعتبرته الأخيرة تجاوزا للاتفاقيات الدولية.

وأوضحت الخارجية الكويتية في بيانها أن الإحداثيات العراقية تمس مناطق بحرية ومرتفعات مائية مستقرة وتابعة لسيادتها، لاسيما منطقتي “فشت القيد” و”فشت العيج”، مشددة على أن هذه المناطق لم تكن يوما محلا لأي نزاع حدودي.

صورة 1

وعلى خلفية ذلك، استدعت الخارجية الكويتية القائم بالأعمال العراقي، زيد عباس شنشول، لتسليمه مذكرة الاحتجاج الرسمية، معبرة عن رفضها القاطع لأي مساس بحدودها البحرية المودعة لدى المنظمة الدولية.

ودعت الكويت جارتها العراق إلى مراعاة العلاقات التاريخية والتعامل بمسؤولية وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982)، مشددة على ضرورة الالتزام بالتفاهمات الثنائية والاتفاقيات المبرمة بين البلدين لضمان استقرار المنطقة.

الموقف العراقي

في المقابل، جاء “الرد العراقي” سريعا وحاسما؛ حيث أكدت بغداد أن تحديد مجالاتها البحرية هو “شأن سيادي خالص”، مشيرة إلى أن الإجراء تم وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة، ولا يحق لأي طرف التدخل في هذه القرارات السيادية.

استندت وزارة الخارجية العراقية في دفاعها عن قرارها الأخير إلى حزمة من القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية؛ حيث أكدت في بيان رسمي أن إيداع خريطة المجالات البحرية لدى الأمم المتحدة عام 2025 جاء متسقا تماما مع اتفاقية قانون البحار لعام 1982. وشددت على أن هذه الخطوة تهدف إلى “تثبيت حقوق العراق التاريخية واختصاصاته البحرية وفق قواعد القانون الدولي الصارمة”.

صورة 2

وكشفت الخارجية العراقية أنها أودعت رسميا لدى الأمين العام للأمم المتحدة، في شهري يناير وفبراير 2026، قوائم بالإحداثيات الجغرافية المحدثة بنظام (WGS84) العالمي. وتتضمن هذه القوائم تحديدا دقيقا لخطوط الأساس، وعرض البحر الإقليمي، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والجرف القاري للعراق.

وأكدت بغداد أن هذا الإيداع الجديد يحل محل الإيداعات السابقة (لعامي 2011 و2021)، ويهدف لتعزيز “الوضوح القانوني” للحدود. وقد نُشرت هذه البيانات بالفعل على موقع شعبة شؤون المحيطات بالأمم المتحدة لتأكيد التزام العراق بالشفافية الدولية وحرصه على استقرار المنطقة عبر تنظيم حقوقه البحرية وفق الأطر المعتمدة.

جذور الأزمة.. من غزو التسعينيات إلى صراع الترسيم

يُذكر أن العلاقات بين البلدين شهدت محطات قاسية؛ بدأت بغزو العراق للكويت في أغسطس 1990 إبان عهد الرئيس الراحل صدام حسين، وهي الأزمة التي انتهت بعد 7 أشهر بتدخل قوات دولية في حرب الخليج الثانية. ولم تستأنف بغداد والكويت علاقاتهما الدبلوماسية الرسمية إلا في عام 2003، عقب سقوط النظام السابق، لتبدأ مرحلة جديدة من محاولات تسوية الملفات العالقة، وفي مقدمتها “ترسيم الحدود”.

تُصنف أزمة “خور عبد الله” كواحدة من أكثر الملفات شائكة وحساسية في العلاقات بين البلدين، وفقا لتقرير صحيفة “ميدل إيست أونلاين”؛ حيث تتداخل فيها الأبعاد القانونية والسيادية مع المصالح الاقتصادية الحيوية. ورغم التطور الملحوظ في العلاقات خلال العقدين الماضيين، إلا أن هذا الملف ظل بمثابة “عثرة” تؤثر من وقت لآخر على الروابط السياسية والدبلوماسية بين بغداد والكويت، عائدا بجذوره إلى تعقيدات مرحلة ما بعد غزو 1990.

وشهد العام الماضي تصاعدا لافتا في حدة التوتر الدبلوماسي، تركز بشكل أساسي على ملف ترسيم الحدود البحرية لما بعد “العلامة 162”. هذا النطاق يمثل الامتداد البحري الذي ظل عالقا ولم يُستكمل ترسيمه منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم (833) في عام 1993، مما يجعله نقطة خلافية متجددة عند أي تحرك فني من أحد الطرفين.

المحكمة الاتحادية والسياسة.. لغم “خور عبد الله” يُحاصر السوداني

داخليا في العراق، واجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، موجة انتقادات حادة؛ إثر تقارير وتوقعات أشارت إلى محاولات لإعادة تفعيل اتفاقية “خور عبد الله” البحرية مع الكويت. وتأتي هذه الحساسية السياسية كون الاتفاقية قد أُبطلت بقرار من المحكمة الاتحادية العليا العراقية في عام 2023، مما جعل أي تحرك حكومي في هذا الملف تحت مجهر الرقابة البرلمانية والشعبية المشددة.

في سبتمبر 2023، دخلت الأزمة نفقا قانونيا جديدا؛ حين أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق حكما يقضي بعدم دستورية اتفاقية “خور عبد الله”. واستند الحكم إلى أن المصادقة على الاتفاقية لم تستوفِ النصاب الدستوري الذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان. هذا القرار فجّر غضبا دبلوماسيا في الكويت، التي سارعت بوصف الخطوة بأنها استناد إلى “ادعاءات تاريخية باطلة”، وقدمت احتجاجا رسميا شديد اللهجة إلى بغداد.

صورة 3

أثار قرار المحكمة العليا جدلا واسعا حول التوفيق بين التزامات العراق الدولية ونصوصه الدستورية. وفي كواليس السياسة، اعتبر مستشارو رئيس الوزراء أن الهجوم على الحكومة وتصوير قرار المحكمة كفشل للسلطة التنفيذية ليس إلا جزءا من “حملة انتخابية مبكرة”. وبينما واجه السوداني انتقادات حادة بسبب رد فعله على إلغاء المعاهدة، أكد حلفاؤه أن هذا “الضجيج السياسي” مدفوع بمصالح انتخابية ضيقة تهدف لإحراج الحكومة.

تكمن العقدة الفنية في كيفية الترسيم؛ حيث يعترض العراق على اعتماد “خط المنتصف” في خور عبد الله، ويتمسك بضرورة الترسيم بناءً على “أعمق نقطة” (المجرى الملاحي)، نظرا لتعرض المناطق البحرية من الجهة العراقية لتراكم الطمي. وفي المقابل، تصر الكويت على أن قرار مجلس الأمن رقم (833) لعام 1993 هو مرجع شامل ونهائي للحدود البرية والبحرية، بينما يرى الجانب العراقي أن القرار الأممي لم يغطِ كامل الحدود البحرية العميقة.

يرى محللون سياسيون أن تكرار الاحتجاجات الرسمية المتبادلة يهدف بالأساس إلى بناء “ملف قانوني” متكامل لكل طرف. ورجحت التقارير أن ينتهي هذا المسار بلجوء أحد الطرفين إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار. ورغم أن هذا الطريق القضائي قد يستغرق سنوات طويلة، إلا أنه يبقى المسار الأخير لفرض حدود إلزامية ونهائية تُنهي هذا النزاع التاريخي.

ظهير خليجي موحد

لم تتوقف أصداء الأزمة عند حدود البلدين؛ حيث تبع الاحتجاج الكويتي موجة تأييد خليجي واسعة وشاملة. وأعلنت كل من المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، ومملكة البحرين، وقوفها الكامل إلى جانب جارتهم الكويت. وشددت العواصم الخليجية في بيانات متزامنة على ضرورة عدم المساس بسيادة الكويت على مناطقها البحرية، داعية إلى الالتزام بالاتفاقيات الدولية المبرمة، بما يضمن أمن واستقرار منطقة الخليج العربي ويمنع أي تصعيد مستقبلي.

دعوة مصرية للحكمة واحترام السيادة

دخلت الدولة المصرية على خط الأزمة ببيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية، أعربت فيه عن متابعتها بـ “اهتمام وقلق بالغين” للتطورات المتعلقة بقوائم الإحداثيات والخرائط المودعة لدى الأمم المتحدة، مؤكدة في بيانها على ضرورة “الالتزام الصارم” بقواعد القانون الدولي وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ومشددة على أهمية احترام سيادة دولة الكويت ووحدة أراضيها وضمان عدم التداخل مع حدودها البحرية.

صورة 4

وأشار البيان المصري إلى أن هذه التطورات تأتي في ظل ظروف إقليمية “شديدة الدقة والحساسية”، مما يتطلب تغليب لغة العقل والحكمة والروابط الأخوية التاريخية التي تجمع البلدين الشقيقين. كما أعربت مصر عن استعدادها التام لتقديم كافة أوجه الدعم لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى تفاهمات متوافق عليها، مؤكدة ثقتها في قدرة بغداد والكويت على تجاوز هذه الأزمة في إطار من روح حسن الجوار بما يحفظ مصالحهما ويصون الاستقرار الإقليمي.

خور عبد الله.. شريان الملاحة وعقدة الجغرافيا

يُعد “خور عبد الله” ممرا مائيا استراتيجيا يقع في أقصى شمال الخليج العربي، فاصلا بين جزيرتي وربة وبوبيان الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية. وتكتسب هذه المنطقة أهمية قصوى لكونها المنفذ الملاحي الرئيسي المؤدي إلى الموانئ العراقية الحيوية في “أم قصر”، في حين تمثل للكويت ركيزة أساسية لتأمين حدودها البحرية الشمالية. ورغم أن قرار مجلس الأمن رقم (833) لعام 1993 وضع الخطوط العريضة لترسيم الحدود في هذا الخور، إلا أن الطبيعة الجغرافية للممر الذي يعاني من تراكم “الطمي” وزحف المجرى الملاحي العميق جعلت من تطبيق “خط المنتصف” نقطة خلاف فنية وقانونية دائمة، تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أعقد الملفات السيادية بين الجارين.

صورة 5

وبين تمسك العراق بإحداثياته “السيادية” وتأكيد الكويت على حقوقها “التاريخية”، تظل لغة الحوار هي المسار الوحيد لتجنب تصعيد قد يعصف باستقرار المنطقة. ومع دخول مصر على خط الأزمة كصوت للعقل والحكمة، يترقب الجميع ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المقبلة؛ فهل تنجح الروابط الأخوية في احتواء الخلاف، أم أن “محكمة العدل الدولية” ستكون هي الفصل الأخير في قصة الحدود التي لا تنتهي؟

اقرا من المصدر

#أزمة #حدودية #متجددة. #ماذا #يحدث #بين #الكويت #والعراق

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *