على مائدة الصوم.. مقاعد لا يشغلها إلا الحنين

على مائدة الصوم.. مقاعد لا يشغلها إلا الحنين

اخبار مصر

اليوم هو أول أيام شهر رمضان المعظّم.

تُفتح أبواب السماء، وتُغلّق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين، ويتهيّأ القلب لموسمٍ من الصفاء. غير أنّ في هذا الصفاء ظلًّا خفيًّا، وفي هذا النور رعشةً لا تخطئها الروح؛ لأنّ رمضان لا يأتي وحده، بل يحمل في أطراف ردائه أسماء الغائبين، ويوقظ فينا ذكرى أمواتنا الغاليين الذين كانوا بيننا يومًا، ثم سبقونا إلى دارٍ أبقى.

في أول أيام رمضان قديمًا، كان البيت يمتلئ بهم كما يمتلئ الإناء بالماء الزلال. كانت وجوههم تُضيء المكان، وتمنح المائدة روحها. كان أبي – رحمه الله – إذا أعلن المؤذّن ثبوت الهلال، اغرورقت عيناه بخشوعٍ صادق، وقال بصوتٍ متهدّج: “اللهم بلّغنا رمضان وأعنّا على صيامه وقيامه”. وكانت أمي – غفر الله لها – تتحرّك في البيت كأنّها تُعدّ عرسًا صغيرًا، لا عرس طعامٍ، بل عرس اجتماعٍ وألفة.

اليوم، وقد جاء أول أيام شهر رمضان المعظّم من جديد، نجلس إلى الموائد، غير أنّنا نشعر بأنّ ثمة مقاعد ما زالت تنتظر أصحابها. نتلفّت حولنا، كأنّنا نبحث عن صوتٍ كان يملأ الفراغ، عن ضحكةٍ كانت تخفّف عنّا وطأة الصوم، عن يدٍ كانت تمتدّ بالدعاء قبل أن تمتدّ إلى الطعام.

رمضان يذكّرنا بهم على نحوٍ خاص؛ لأنّه كان شهرهم الأثير، شهر السكينة التي كانوا ينسجونها في البيوت، شهر الدعوات التي كانوا يرفعونها في الأسحار. أليس في هذا اليوم الأوّل ما يعيد إلينا صورهم وهم يوقظوننا للسحور؟ أليس في صوت الأذان ما يعيد إلى مسامعنا همساتهم وهم يردّدون خلف المؤذّن؟ إنّ الذكرى في رمضان ليست عابرة، بل هي حضورٌ آخر، ينهض من بين طيّات الزمن.

ثمة غثيانٌ رقيق يسكن القلب حين نستحضرهم في هذا اليوم المبارك؛ ليس غثيان الألم وحده، بل غثيان الحبّ حين يفيض. نشعر بأنّ شيئًا في الداخل يضطرب، كأنّ الروح لا تستوعب بعدُ فكرة الغياب. كيف يأتي أول أيام رمضان من دونهم؟ كيف نبدأ الشهر ولا نسمع دعاءهم، ولا نرى ملامحهم وقد ارتسم عليها نور الصيام؟

كانوا يعلموننا – بصمتهم قبل كلماتهم – أنّ رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو امتناعٌ عن كل ما يُؤذي القلب. كانوا يتسامحون سريعًا، ويتصالحون قبل المغرب، ويحرصون على أن يدخل الشهر إلى بيوتهم بلا خصومة. واليوم، حين نتذكّرهم، ندرك أنّ أعظم ما تركوه لنا ليس البيت ولا الأثاث، بل ذلك الخُلق الرفيع، وتلك الرحمة التي كانت تسري في تفاصيلهم.

في أول أيام رمضان، يصبح الدعاء لهم واجبًا على القلب قبل أن يكون على اللسان. نرفع أيدينا ونقول: اللهم إنّه أول أيام شهر رمضان المعظّم، فاجعل لأمواتنا الغاليين نصيبًا من رحمتك، ونورًا في قبورهم، وسعةً في مضاجعهم، واجمعنا بهم في جنّاتك كما جمعتنا بهم حول موائد الدنيا. نُكثر من الاستغفار لهم، ونتصدّق عنهم، ونقرأ القرآن ونهدي ثوابه إلى أرواحهم، لعلّ نسمةً من نسائم هذا الشهر تبلغهم فتؤنس وحشتهم.

إنّ في رمضان سرًّا عجيبًا؛ فهو يجمع بين الحضور والغياب، بين الدمع والرجاء. حين نجلس إلى المائدة في أول يوم، قد تترقرق الدموع في العيون، لكنّها دموع وفاء لا دموع يأس. نتذكّرهم لا لنغرق في الحزن، بل لنجدّد العهد بأن نبقى أوفياء لما علّمونا، وأن نواصل الطريق الذي مهّدوه لنا بدعواتهم.

كم من أمٍّ رحلت وكانت تفرح إذا رأت أبناءها مجتمعين حولها في رمضان. كم من أبٍ غاب وكان ينتظر أذان المغرب كأنّه موعدٌ مع الجنّة. كم من جدّةٍ كانت تحكي لنا قصصًا بعد التراويح، ثم صارت قصّتها هي الحكاية التي نرويها. هؤلاء هم أمواتنا الغاليون، الذين لم يغيبوا عن القلب وإن غابوا عن العين.

اليوم، في أول أيام شهر رمضان المعظّم، لنجعل من ذكراهم سلّمًا إلى الرحمة. لنجعل من حنيننا إليهم عملًا صالحًا يصلهم. لنتذكّر أنّ الدعاء نورٌ في القبور، وأنّ الصدقة ظلٌّ في الحرّ، وأنّ القرآن أنيسٌ في الوحدة. لعلّهم في عالمهم البعيد القريب ينتظرون منّا دعوةً صادقة، أو دمعةً خاشعة، أو عملًا يُكتب في صحائفهم.

إنّ الهلال الذي يطلع في السماء لا يُعلن فقط بداية الصيام، بل يذكّرنا بأنّ الأعمار إلى انقضاء، وأنّنا سائرون في الدرب نفسه. فإذا سبقونا اليوم، فنحن على الأثر غدًا. فلنحسن الزاد، ولنُصلح القلوب، ولنغتنم هذا الشهر كما كانوا يغتنمونه.

يبقى في القلب شيءٌ من الغثيان كلما حلّ رمضان من دونهم، لكنّه غثيانٌ مضمّخ بالحبّ، مشوبٌ بالرجاء. إنّه علامة على أنّهم كانوا عزيزين، وأنّ مكانتهم لم تبرح أرواحنا. وفي هذا الألم عزاء؛ لأنّ من يترك فينا هذا الأثر لا يموت حقًّا، بل يظلّ حيًّا في الدعاء، حاضرًا في الذاكرة، مقيمًا في وجداننا.

هكذا نستقبل أول أيام شهر رمضان المعظّم: بقلوبٍ خاشعة، وعيونٍ دامعة، وألسنةٍ ذاكرة. نذكر أمواتنا الغاليين، نستحضر وجوههم، نبتسم حين نتذكّر مواقفهم، ونبكي حين يغلبنا الشوق، ثم نرفع أكفّنا إلى السماء قائلين: اللهم ارحمهم كما ربّونا، واغفر لهم كما أحبّونا، واجعل هذا الشهر شاهدًا لهم لا عليهم.

كانوا بيننا…

وها هم اليوم في رحاب ربٍّ أرحم بنا منهم. نسأل الله أن يفيض عليهم من رحمته في أول أيام رمضان، وأن يجعل ذكراهم في قلوبنا نورًا لا يخبو، وأن يكتب لنا لقاءً لا يعقبه فراق.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#على #مائدة #الصوم. #مقاعد #لا #يشغلها #إلا #الحنين

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *