لماذا يحتاج الأستاذ الجامعي للتدريب بالأكاديمية العسكرية؟

لماذا يحتاج الأستاذ الجامعي للتدريب بالأكاديمية العسكرية؟

اخبار مصر

دخلتُ الأكاديمية العسكرية بصفتي مواطنًا مدنيًا وأستاذًا جامعيًا، أحمل خلفية علمية ومهنية، وأظن أن إدراكي لقضايا الوطن مكتمل بحكم التعليم والقراءة والمتابعة. غير أن التجربة كشفت لي سريعًا أن ما نعرفه من الخارج لا يُقارن بما يدركه المرء من الداخل حين يقترب من دوائر التفكير الاستراتيجي للدولة، ومن آليات فهم المخاطر والتحديات التي تحيط بها.

لقد جاءت توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إلزامية حضور هذه الدورات للقيادات المدنية لتفتح نقاشًا واسعًا في المجتمع. ومن واقع تجربتي الشخصية، أستطيع القول إن هذه الدورات هي برامج لإعادة تشكيل الوعي الوطني على أسس علمية واستراتيجية.

في الأكاديمية، تعلمنا فهم الدولة: كيف تُدار الأزمات، وكيف تُقرأ الخريطة الإقليمية، وكيف تُحلَّل الحروب الحديثة، وكيف تُدار المواجهات الاقتصادية والإعلامية والنفسية قبل أن تتحول إلى صراعات عسكرية. تعلمنا أن الحرب لم تعد دبابات وطائرات فحسب، بل أصبحت معلومات مضللة، وحصارًا اقتصاديًا، وضربًا للثقة في المؤسسات، ومحاولات مستمرة لتفكيك الهوية الوطنية.

بصفتي أستاذًا بكلية طب الأسنان في جامعة القاهرة، كنت أظن أن دوري ينحصر في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع الصحي. لكنني أدركت داخل الأكاديمية أن دور الأستاذ الجامعي أعمق من ذلك بكثير؛ فهو صانع وعي قبل أن يكون ناقل معرفة، ومؤثر في اتجاهات أجيال كاملة. ومن هنا تبرز أهمية هذه الدورات في توحيد المفاهيم العامة للقيادات المدنية حول معنى الدولة، وحدود الخلاف، ومفهوم الأمن القومي، وأولوية البقاء والتماسك في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

الجدل الذي أثير حول هذه الدورات مفهوم؛ لأن أي تغيير في بنية التفكير التقليدي يواجه مقاومة طبيعية. غير أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نذهب إلى الأكاديمية؟ بل: كيف نقود مؤسساتنا دون فهم طبيعة المعركة التي تخوضها الدولة؟ وكيف نربي طلابنا على الانتماء ونحن لا نمتلك صورة شاملة لما يحيط بنا من أخطار؟

لقد أسهمت التجربة في توسيع مداركي، وربط ما أدرسه في قاعات الجامعة بما يجري في الإقليم من صراعات وحروب بالوكالة، وبما تتعرض له مصر من محاولات استنزاف وتشويه وإضعاف. وأدركت أن بناء الوطن على نهج واحد لا يعني مصادرة الرأي، بل يعني الاتفاق على الثوابت: بقاء الدولة، وحماية مؤسساتها، والحفاظ على وحدتها وهويتها.

الأكاديمية العسكرية لم تخلق فيَّ ضابطًا، لكنها أعادت تشكيل المواطن في داخلي. جعلتني أرى أن الهوية الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل وعيًا يُبنى، وأن حب الوطن لا يكتمل دون فهم ما يُحاك له في الخفاء، ودون إدراك أن الاختلاف الداخلي يجب ألا يتحول إلى ثغرة ينفذ منها الأعداء. كما كان لها دور فاعل في فتح ذهني لإيجاد حلول عملية وسريعة لعدد من مشكلات التعليم العالي، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر – الحد من هجرة العقول، وربط مخرجات التعليم بالتصنيع وسوق العمل.

ومن هنا، فإن دعم توجهات القيادة السياسية نحو إلزامية هذه الدورات ليس دعمًا شكليًا، بل قناعة نابعة من تجربة مباشرة: قناعة بأن الدولة الحديثة لا تُدار بعلم التخصص وحده، بل بعلم الدولة؛ وبأن الأستاذ والطبيب والمهندس والقاضي، حين يفهمون سياق الوطن ونهجه، يصبح أداؤهم المهني جزءًا من منظومة الأمن القومي لا منفصلًا عنها.

إن مصر لا تحتاج فقط إلى متخصصين أكفاء، بل إلى مواطنين مستنيرين يدركون أن معركة البناء لا تقل أهمية عن معركة البقاء، وأن الجامعة ليست جزيرة معزولة عن الوطن، بل من أهم خطوط الدفاع الأولى عنه.

وفي زمن تتغير فيه طبيعة الحروب، تصبح الأكاديمية العسكرية إحدى أهم أدوات بناء الوعي الوطني المشترك، وصناعة لغة واحدة بين من يقودون الدولة في مختلف القطاعات. وهذا – في تقديري – هو جوهر رؤية القيادة السياسية، وهو جوهر ما خرجتُ به من هذه التجربة:

أن الوطن لا يُبنى بالعلم وحده، ولا بالقوة وحدها، بل بالوعي الذي يجمع بينهما معًا.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#لماذا #يحتاج #الأستاذ #الجامعي #للتدريب #بالأكاديمية #العسكرية

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *