دائرة الألم.. في «أغنيات جنائزي السرية»

دائرة الألم.. في «أغنيات جنائزي السرية»

اخبار مصر

«الوعي مُدمِر، يُفقدنا اتزاننا النفسي للأبد» (ص 19).

«لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، وكأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن» (ص 135).

تبدو هاتان العبارتان من المفاتيح الرئيسية لرواية نسمة عودة «أغنيات جنائزي السرية» (دار المحرر، 2026)، التي تقع في 170 صفحة من القطع المتوسط.

من السطر الأول للرواية الساحرة، تلمس فرادة لغة الكاتبة وتمكنها من أدواتها في الكتابة الروائية الخالصة.

تستهل نسمة عودة روايتها بالفقرات التالية:

«صف من العجائز المفجوعات يقفن جوار سريري كل صباح بجلابيب سوداء تفوح منها رائحة البول والخرف الكاذب. كل واحدة منهن تناديني باسم مختلف، كل واحدة منهن تدعي أنها أمي، حتى أمي!

ألمس شيخوختهن وأنا أخلع عنهن الملابس المبتلة، فأتذكر رائحة جلود قديمة كانت لنساء يمتلكن الوجوه المتخاذلة نفسها، جلود مشدودة ولامعة ومدهونة بكريمات الترطيب الرخيصة وزيت التموين. يسرن خلفي عاريات صامتات إلى الحمام الصغير، أحشرهن جميعًا في تابوت الاستحمام، وأرش الماء الدافئ على أجسادهن بعشوائية لأمحو خطيئة الابتزاز عن السيقان المرتجفة النحيلة؛ فتدب الحياة فيهن فجأة وتتعالى ضحكاتهن كفتيات لم تلوثهن الحياة بعد.

هل تتذكرينهن يا عائشة؟

أتساءل: منذ متى ونحن نؤدي هذه التمثيلية الصامتة المملة؟ ربما منذ هاجرت أختي وتعرى رعبهن من الموت وحيدات؟ أتذكر كيف تسولت مساعدتهن لننجو أنا وأنت معًا، لكنني لم أجد غير كلمات المواساة المحبطة والمثيرة للاشمئزاز. ست وعشرون سنة من السجن غير الآدمي بين جدران هذه الشقة التي يمتلك الجميع مفتاحها، إلا أنا» (ص 9).

يثير هذا العمل الروائي مسألة الراوي؛ إذ يرى ميشيل ريمون مثلًا أن الراوي يتموضع بشكل ما في وعي إحدى الشخصيات، ليكشف لنا الواقع الذي ينظر إليه من خلال زاوية معينة. ويعد مفهوم «وجهة النظر» point of view من أبرز قضايا النقد الروائي التي كثر حولها النقاش، وتشعب بتعدد النقاد واختلاف المدارس والاتجاهات النقدية التي تناولته. لكن هناك ما يشبه الاتفاق بين معظم النقاد والباحثين على أنه مفهوم وليد استحدثه النقد الأنجلو أمريكي في أواخر القرن التاسع عشر مع الروائي هنري جيمس، الذي أكد أهمية هذا المفهوم، مشيرًا إلى أن ثمة تشابهًا بين عمل الروائي وعمل الرسام.

«فكما أن الرسام يعرض علينا الأشياء لرؤيتها -من منظور ما- فإن الروائي يعرضها من وجهة نظر معينة، يجب على بلاغة الخطاب السردي أن تدخلها في الحسبان».

وتشير مارجوري بولتون Marjorie Boulton في كتابها «تشريح الرواية» The Anatomy of the Novel -عند تعرضها لأهم المفاهيم النقدية المؤسسة لنظرية الرواية- إلى أن الراوي لا بد من أن يكون موجودًا في مكان ما، سواء داخل المشهد أو خارجه:

«فإن القصص لا تحكي نفسها بنفسها، وأيًا كان من يحكي فحتمًا ولا بد من أن يكون في مكان ما، وعلى علاقة بما يحكى حتى يحكيه، فلقد أصبحنا نمتلك درجة من التمييز -تعلمناها منذ الطفولة- بين القصة الحقيقية والقصة المتخيلة والأكذوبة. ويبدو أننا سنقبل عرف القصة بدون ضجيج».

في العلاقة مع الأم والأب ما يستحق الحكي عنه في هذه الرواية.

««أهلًا ماما».

مهما ناديتك، مهما توسلت، مهما بكيت في رسائل مكتوبة أو صوتية، يأتيني الرد نفسه. تصلح «أهلًا ماما». كدليل على البر، فأنت أذكى من الوقوع في ذنب كهذا.

رغم ذلك لم أفقد الأمل خلال مئتين وأربعين يومًا من الرسائل اليومية. حلمت بمكالمة هاتفية قصيرة، رسالة غاضبة، بلقاء وحيد، بأي كلمات حتى لو «توقفي عن إزعاجي أيتها المجنونة».

-«أهلًا ماما».

توقفي عن إرسال هذه الرسالة يا عائشة.

يكفيني تحول العلامة للون الأزرق؛ لأعرف أنك رغم كرهك لي، لا تتجاهلين فتح رسائلي» (ص 10).

أما الأب فهو نافذة أخرى للحنين.

«ذات يوم عاد أبي إلى المنزل طائرًا. كان الفتق الطولي بظهر قميصه الأبيض المختبئ خجلًا أسفل سترته الرمادية يمهد لخروج جناحين. ورغم أنه مجرد تفتق ناتج عن ذوبان القماش لكثرة الارتداء والنقع في المساحيق الرخيصة والزهرة، فإنني انتظرت طويلًا أن يصبح بطلًا خارقًا، أن يطير فعلًا لا مجازًا، حتى ولو استخدم بساطًا سحريًا كما الحكايات» (ص 13).

وفي الختام:

«لا يُحرِّم الحرام الحلال يا أبي.. لكن الحلال لا يمنع التفكير فيه» (ص 141).


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#دائرة #الألم. #في #أغنيات #جنائزي #السرية

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *