مصير غامض ينتظر مهرجان برلين السينمائي الدولي ومديرته

مصير غامض ينتظر مهرجان برلين السينمائي الدولي ومديرته

اخبار مصر

مثل كرة الثلج يبدو هذا الأمر لي، وربما يكون أحد أهم منقذي المهرجان الألماني العريق بعد الإعلان عن استياء رجال الصناعة السينمائية وعدد من المؤسسات من التطورات الحالية في العاصمة الألمانية، فقد انطلقت حملة توقيعات لمئات المنتجين وصناع الأفلام على رسالة تضامن مع تريشيا تاتل منذ مساء الرابع والعشرين من هذا الشهر، مثلما حذر المجلس الثقافي من التدخل الحكومي في مصير المهرجان وسياساته.

1 (1)

مع ذلك، لا يزال مصير مستقبل مهرجان برلين السينمائي الدولي غامضا، وكذلك لم يتخذ أي قرار بشأن مستقبل المديرة الفنية تريشيا تاتل خلال الاجتماع الطارئ الاستثنائي الذي عقد في الثامنة من صباح الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ بتوقيت أوروبا لمناقشة مستقبل المهرجان الألماني العريق، وأكدت التقارير أنه لا تزال التكهنات تثار حول إمكانية إنهاء ولاية تاتل قبل الأوان. وقد أثار هذا الأمر احتجاجات واسعة النطاق في القطاع الثقافي، حيث عبرت العديد من المنظمات ومئات من صانعي الأفلام عن استيائهم.

لماذا أرى هذا الأمر مثل كرة الثلج؟ لأنه قبل أيام من انطلاق الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برليناله – الممتدة بين ١٢ و٢٢ فبراير – وجهت الصحافة اتهامات مفادها تهميش قضية فلسطين وتوزيع الأفلام التي تناقشها في الأقسام الموازية وإبعادها عن المسابقة الرسمية، ثم يأتي المؤتمر الصحفي للجنة التحكيم الرئيسية ليكون رد فيم فيندرز بضرورة فصل السياسة عن الفن بمثابة الفتيل الذي يشعل الحرب، وذلك ردا على أحد الصحفيين الألمان الكبار الذي تساءل عن موقف المهرجان من دعم القضية الفلسطينية.

1 (2)

عندما تفتح أبواب الجحيم

كلمات فيندرز هذه أشعلت الأجواء في المهرجان طوال الدورة، فإضافة إلى حملة التوقيعات أثناء المهرجان بلغت ٨١ توقيعا – من نجوم ونجمات كبار من بينهم تيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وتاتيانا ماسلاني، وآدم مكاي – على رسالة مفتوحة، أشاروا فيها إلى أن المهرجان “يمارس الرقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة، ودور الدولة الألمانية المحوري في تمكينها”. وهو الأمر الذي نفته تاتل، المدير السابق لمهرجان لندن السينمائي، حيث وصفته بأنه مجرد ادعاء، واصفة المهرجان بأنه مساحة للمخرجين لمناقشة القضايا السياسية وغيرها بالطريقة التي يرونها مناسبة.

1 (3)

إضافة لما سبق كانت أسئلة البعض لا تناقش الأفلام وإنما تتطرق للسياسة في الندوات، ووجه النقاد أصابع الاتهام والنقد لبعض المخرجين، وذلك رغم محاولات رئيسية المهرجان تهدئة الأجواء بأسلوب دبلوماسي، والمدهش هو موقف لجان التحكيم – بما فيها اللجنة التي يترأسها فيندرز نفسه – حيث منحت أغلب جوائزها لأفلام سياسية وهو أمر ذو دلالة كاشفة، وجاءت المفاجأة في قسم «وجهة نظر» حيث نال جائزة العمل الأول عبد الله الخطيب عن فيلمه «وقائع زمن الحصار»، وهذا الفوز فتح بوابات الجحيم على مصراعيه. لماذا؟

أولا لا بد من التوقف أمام أمرين: الأول الخطاب الذي ألقاه الخطيب كان القشة التي قسمت ظهر البعير. رغم أنه لم يكن الوحيد، ففي قسم الأفلام القصيرة فازت اللبنانية ماري روز أسطا بجائزة الدب الذهبي عن فيلم «يوما ما ولد». وألقت هي الأخرى كلمة سياسية قوية على مسرح حفل الختام في قصر البرليناله. وكذلك قبلها بعدة أيام رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية اصطحاب الجائزة التي تلقتها عن فيلم «هند رجب» معها إلى وطنها – وذلك على هامش المهرجان – لكن كوثر في خطابها كانت قد اختارت كلماتها بعناية وحرص شديدين، وانتقت ألفاظا شديدة الدبلوماسية، فمرت الأمور بسلام، وتم نشر الأخبار دون أن تشتعل ألمانيا.

هل يستحق الخطيب الجائزة؟

فماذا قال الخطيب حتى يقلب برلين رأسا على عقب؟ إن أهم فقرة أثارت حفيظة الألمان هي اتهام المخرج للحكومة الألمانية “بالتواطؤ في الإبادة الجماعية في قطاع غزة.” لقد انطلق الخطيب من تأكيده على أن السينما لا تنفصل عن واقع الحصار والاحتلال والقتل الجماعي في غزة، وأن المقاومة يجب أن تسبق الفن، والحرية تسبق الثقافة، مصرا على أن الفلسطينيين سيتذكرون دوما من وقف مع فلسطين وساندها، وسيتذكرون أيضا هؤلاء الذين التزموا الصمت، وأن فلسطين ستنال حريتها، وأن مهرجانا سينمائيا كبيرا سيقام في غزة يوما ما. ثم أضاف الخطيب في تحد أن البعض نصحه ألا يقول الكلمات التالية لأنه لاجئ في ألمانيا ويواجه تحديات لأن هناك خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها، لكنه أصر على قوله مؤكدا أن: “الحكومة الألمانية متواطئة في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة”، مشيرا إلى أنه يثق أن تلك الحكومة ذكية وتدرك جيدا ما يحدث لكنها تختار عدم التحرك. ثم اختتم خطابه قائلا: فلسطين حرة من الآن وحتى نهاية العالم.”

1 (4)

الأمر الثاني الذي أتوقف أمامه: هل حقا كان فيلم «وقائع زمن الحصار» يستحق جائزة العمل الأول؟ أم أن الجائزة جاءت سياسية بامتياز؟ لنتأمل تقييم النقاد العشرين المشاركين في لجنة تحكيم النقد التي تعقدها «لجنة الفيلم الأوروبي» بالتعاون مع الفيبريسي والتي شاركت فيه كاتبة هذه السطور. في هذا القسم نال فيلم الخطيب نسبة ٣:٣٣ من خمسة بينما سبقه أربعة أفلام كان أحدها قد نال ٤:٢٠ من خمسة، وهو فيلم من الإنتاج التشيلي الأرجنتيني الإيطالي بعنوان The Red Hangar «الحظيرة الحمراء»، وهناك الفيلم البريطاني «أنيمول» Animol الذي حصد على ٤ من خمسة بإجمالي الأصوات. إضافة إلى فيلمين آخرين تراوحت نسبتهما بين ٣:٤٠ و٣:٥٠ من أصل خمسة.

إذا في تقييم النقاد هناك أربعة أفلام تجاوزت فيلم الخطيب، صحيح أن لجان التحكيم تختلف في وجهات النظر وفي الأذواق لكن هذا التقييم النقدي مؤشر له دلالته، ويقول إن الجائزة اصطبغت بلون السياسة، وكانت ردا على تصريح فيم فيندرز.

هل تقال تريشيا في اجتماع استثنائي؟

لكن حكومة فايمار وعمدة برلين كاي فيغنر أدانا هذه التصريحات بحفل الختام، وتنفي الحكومة الإسرائيلية ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، مثلما ترفض الحكومة الألمانية أيضا اتهام الإبادة الجماعية. ومع ذلك، يتحدث باحثون بارزون في مجال الإبادة الجماعية، بمن فيهم باحثون إسرائيليون، عن وقوع إبادة جماعية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تزايد قلق صناع السينما على المستوى الدولي عقب إعلان وزير الثقافة الألماني فولفرام فايمر اليوم عن دعوته لاجتماع استثنائي لمجلس إدارة مؤسسة إدارة المهرجان “Kulturveranstaltungen des Bundes in Berlin GmbH” (KBB)، صباح الخميس، لمناقشة “التوجه المستقبلي للمهرجان”. وقد اندلعت المخاوف عندما نشرت إحدى أكثر الصحف الألمانية شعبية أن مستقبل تريشيا تاتل وبقاءها في منصبها سيكون محل نقاش في الاجتماع المحتمل عقده في تمام الساعة 8:00 صباحا بتوقيت وسط أوروبا اليوم الخميس.

هذه الأخبار المزعجة والمخيفة لأنها تحمل في طياتها تهديدا للحريات جعلت الأوساط السينمائية العالمية تعرب عن “قلقها البالغ” إزاء احتمال رحيل تريشيا تاتل عن مهرجان برلين العريق، والتي أمضت فيه عامين فقط من خمس سنوات وفق التعاقد الذي تم معها. وقد انتشرت كالنار في الهشيم رسالة مفتوحة تدافع عن مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، تريشيا تاتل، وعن المهرجان باعتباره “منصة للتبادل”، بأكثر من 600 توقيع في غضون ساعات قليلة.

وفي أعقاب الاجتماع الاستثنائي كتبت الصحافة المحلية أن المجلس الثقافي الألماني حذر من التدخل الحكومي، وأنه دعا حكومة فايمار إلى “الدفاع بحزم عن حرية التعبير الفني وحماية استقلال مهرجان برلين السينمائي الدولي من التدخل الحكومي”. فقد أعرب المجلس الثقافي صراحة عن معارضته لتصريحات الخطيب، لكنه أقر بأنها محمية بموجب حرية التعبير. وأوضح المجلس أن استكشاف حدود ما يمكن قوله جزء لا يتجزأ من طبيعة الفن، وعلينا أن نتقبل ذلك، حتى وإن كان مؤلما في بعض الأحيان”.

1 (5)

إذا، انتهت فعاليات الدورة الـ٧٦ لكنها لم تنته، فرغم إسدال الستار على حفل الختام، لكن لا يزال الصخب السياسي والانقسام واضحا ولا تزال آثاره وعواقبه تتصاعد دوليا. فقد تظاهر عدد من موظفي مهرجان برلين السينمائي الدولي أمام المستشارية، رافعين لافتات كتب عليها «فريق تريشيا». وأصدر أكثر من 500 موظف في المهرجان بيانا مشتركا لدعم تاتل. وجاء في البيان: «نحن – فريق مهرجان برلين السينمائي الدولي، سواء كانوا موظفين دائمين أو متعاقدين أو مستقلين أو مؤسسات متعاونة – ننتمي إلى خلفيات شديدة التباين، لكننا متفقون تماما على نقطة واحدة: ندعم تريشيا تاتل الرائعة كمخرجة لنا. ليس بإمكان مجلس إدارة مهرجان برلين السينمائي الدولي (KBB) اختيار شخص أفضل. تريشيا ذكية، ونزيهة، ومستمع جيدة. لا أحد أكثر شغفا منها بالقيم التي تجعل هذا المهرجان بالغ الأهمية للسينما هنا في ألمانيا والعالم.»

وربما يكون هذا التضامن من فريق المهرجان ومن المؤسسات الأوروبية هو ما أجل الإطاحة برئيسية البرليناله تريشيا تاتل، لكن يبقى السؤال: إلى متى؟ وهل حقا تؤدي مثل تلك المواقف إلى التضامن الواقعي الملموس مع فلسطين؟


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#مصير #غامض #ينتظر #مهرجان #برلين #السينمائي #الدولي #ومديرته

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *