اخبار مصر
لم تعد الكلمة حكرًا على المنابر الرسمية، ولم يعد الصوت مرهونًا باستوديوهات الإذاعة والتلفزيون، بل اتسعت الدوائر وتداخلت المساحات، حتى أصبح كل من يملك هاتفًا ذكيًا ومنصة رقمية قادرًا على التأثير، سلبًا أو إيجابًا. في هذا المشهد المتشابك، يكتسب بيان نقابة الإعلاميين أهمية استثنائية، ليس فقط باعتباره ردًا على حملات التشويه ومحاولات الوقيعة بين مصر وأشقائها في الخليج العربي، بل لأنه يفتح الباب واسعًا أمام نقاش أكثر عمقًا حول طبيعة الإعلام في عصر الفوضى الرقمية.
لقد أحسن البيان تشخيص جانب مهم من الأزمة، حين أكد أن الإعلام التقليدي لم ينحرف عن قواعده المهنية، بينما جاءت التجاوزات من منصات رقمية منفلتة، تديرها في كثير من الأحيان حسابات وهمية أو جهات لها أجندات خفية. لكن الحقيقة الأعمق أن الأزمة لم تعد مجرد “تجاوزات”، بل تحولت إلى ظاهرة تهدد بنية الوعي العام، وتخلق واقعًا زائفًا يُبنى على الشائعات والانطباعات السريعة، لا على الحقائق.
الرؤية الأخرى لمواجهة هذا المشهد لا يمكن أن تظل أسيرة رد الفعل، بل يجب أن تنطلق من إعادة ضبط المفاهيم. وأول هذه المفاهيم هو “الإعلامي” نفسه. فهذه الصفة لم تعد مجرد لقب يُطلق، بل مسؤولية تُكتسب. الإعلامي الحقيقي ليس من يجيد إثارة الجدل، بل من يملك أدوات الفهم والتحليل، ويخضع لقواعد المهنة وأخلاقياتها. أما أولئك الذين يعتلون المنصات دون تأهيل أو وعي، ويمنحون أنفسهم ألقابًا لا يستحقونها، فهم في الواقع أحد أخطر أدوات الفوضى، حتى وإن تصوروا أنهم يمارسون دورًا مشروعًا.
ومن هنا، يصبح التصدي لهذه الظاهرة واجبًا مزدوجًا: مهني وثقافي. على المستوى المهني، يجب أن تتحرك نقابة الإعلاميين بخطوات أكثر حسمًا، عبر ضبط معايير الانتماء للمهنة، وإعلان قوائم واضحة بالإعلاميين المعتمدين، بما يمنع التلاعب بعقول الجمهور تحت لافتات مزيفة. كما أن ملاحقة الحسابات المسيئة يجب ألا تكون إجراءً استثنائيًا، بل سياسة دائمة، تردع كل من يظن أن الفضاء الرقمي ساحة بلا قانون.
أما على المستوى الثقافي، فالمعركة الحقيقية تُخاض داخل وعي الجمهور. لا يكفي أن نحذر الناس من الشائعات، بل يجب أن نمنحهم أدوات التمييز. الجمهور الذي يعرف كيف يقرأ الخبر، ويفهم مصادره، ويشكك في مصداقيته، لن يكون فريسة سهلة لأي محتوى مضلل. وهذا يتطلب جهدًا متواصلًا من المؤسسات الإعلامية والتعليمية، لإعادة بناء الثقة في الإعلام المهني، وكشف الفارق بينه وبين إعلام “الترند” السريع.
ولا يمكن إغفال أن جزءًا من الأزمة يعود إلى غياب محتوى قوي قادر على المنافسة. فحين يُترك المجال فارغًا، تملؤه الأصوات الأكثر ضجيجًا، لا الأكثر مصداقية. لذلك، فإن المواجهة الحقيقية يجب أن تتضمن إنتاج محتوى عربي جاد، يعكس عمق العلاقات بين مصر ودول الخليج، ويقدم نماذج حقيقية للتكامل والتعاون، بدلًا من ترك الساحة لمن يصنعون الأكاذيب. فالقوة الناعمة لا تُبنى بالبيانات فقط، بل بالحضور المستمر في عقول الناس.
وفي هذا السياق، يبرز دور المؤثرين كعنصر حاسم في المعادلة. هؤلاء لم يعودوا مجرد أفراد على منصات التواصل، بل أصبحوا قوة إعلامية موازية. لكن الخطورة تكمن في أن بعضهم يتحرك بلا ضوابط، مدفوعًا بالرغبة في الانتشار أو الإثارة. وهنا، يصبح من الضروري دمجهم في منظومة المسؤولية، سواء عبر التوعية أو التدريب أو حتى المحاسبة عند التجاوز، لأن تأثيرهم قد يفوق في بعض الأحيان تأثير المؤسسات التقليدية.
أما عربيًا، فإن التحدي يتجاوز حدود الدولة الواحدة. الحملات التي تستهدف العلاقات بين مصر ودول الخليج عابرة للحدود، وتُدار بعقلية شبكية، وهو ما يفرض ضرورة وجود تنسيق إعلامي عربي مشترك، يتجاوز ردود الأفعال المتفرقة، إلى خطاب موحد قادر على المواجهة. فالمعركة لم تعد إعلامية فقط، بل هي معركة وعي وهوية ومصير.
في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة في حسابات وهمية أو صفحات مأجورة، لأن المشكلة الأعمق تكمن في المناخ الذي يسمح بانتشارها. وإذا كان بيان نقابة الإعلاميين قد وضع يده على الجرح، فإن العلاج يتطلب ما هو أبعد من ذلك: رؤية شاملة تعيد للإعلام هيبته، وللكلمة قيمتها، وللوعي حصانته.
فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل هو أداة لصياغة العقول، وحماية المجتمعات من الانهيار المعنوي. وإذا تُرك هذا الدور لمن لا يستحقه، فإن الخطر لن يكون فقط في تشويه العلاقات بين الدول، بل في تفكيك المجتمعات من الداخل. ومن هنا، يصبح التصدي لكل من ينتحل صفة “إعلامي” معركة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأنها ببساطة معركة على وعي الناس… ومن يملك الوعي، يملك المستقبل.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
اقرا من المصدر
#لقب #بلا #ثمن. #كيف #تسلل #الدخلاء #إلى #عرش #الإعلام
اخبار مصر لحظة بلحظة