اخبار مصر
وسط سحب الدخان الكثيفة التي غطت سماء طهران منذ فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، بدأت ملامح أكبر حملة قصف جوي أميركية إسرائيلية تتكشف للعالم. هذه العملية التي أُطلق عليها أميركيًا “الغضب الأسطوري” وإسرائيليًا “الأسد الزائر”، استوعبت في ساعاتها الاثنتي عشرة الأولى وحدها نحو 900 ضربة جوية وصاروخية متزامنة.
وفي السياق ذاته، أشارت التقارير المتخصصة الصادرة عن معاهد أمنية، منها المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، إلى أن القوات الجوية الإسرائيلية استخدمت أكثر من 200 مقاتلة لإسقاط ما يزيد عن 1200 قنبلة، مستهدفةً قرابة 500 موقع حيوي إيراني، ما أسفر عن مقتل المرشد علي خامنئي وقيادات بارزة، وضعت قدرة طهران العسكرية على الصمود قيد اختبار هو الأصعب.
لقراءة التقرير الصادر عن “المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي” (JINSA)، وهو بمثابة تحديث استخباراتي وعسكري شامل بتاريخ 1 مارس 2026 حول سير الحرب الدائرة.. اضغط هنا
في ذروة هذه اللحظة المفصلية، خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريح لافت أعاد رسم خريطة التحالفات. قال في تصريحاته التي نقلتها “RT” أمس السبت، إن “روسيا والصين تمثلان شريكين استراتيجيين لإيران، وأن هذه الشراكة مستمرة وتشمل مجالات متعددة من بينها التعاون العسكري”، مؤكدًا أنه لا حديث الآن عن وقف إطلاق النار.
تصريح وزير الحارجية الإيراني هذا كان بمثابة نقلة نوعية في الخطاب الرسمي؛ إذ لطالما حرصت طهران على إبقاء توصيف علاقتها ببكين وموسكو في دوائر الدعم السياسي والاقتصادي. غير أن إعلان استمرار التعاون العسكري صراحةً تحت وطأة القصف يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الدعم الخفي، الذي يربط حلقة الاستشعار بالاستهداف لإبقاء إيران في ساحة المعركة.
رسائل “عراقجي”.. كسر عزلة أم مكايدة؟
لفهم التوقيت الدقيق لتصريحات “عراقجي” وربطها بمسرح العمليات، يجب النظر إلى الرقعة السياسية الأوسع التي تحاول واشنطن فرضها لردع حلفاء طهران.
وبهذا الصدد، يوضح المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني وجدان عفراوي، أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني يجب أن تُفهم في سياق الرد السياسي والإعلامي المباشر على التحركات الأميركية الأخيرة، وتحديدًا دعوة الولايات المتحدة الصين للانضمام إلى تحالف دولي يهدف إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره ملايين براميل النفط يوميًا.
ويضيف “عفراوي”، في تصريحاته لـ”مصراوي”، بُعدًا اقتصاديًا يفسر القلق الإيراني، مشيرًا إلى أن الامتيازات والتسهيلات التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروسيا مؤخرًا في ملف بيع النفط لتهدئة الأسواق العالمية، قد توحي بأن موسكو وبكين قد لا تصطفان بالكامل إلى جانب طهران في مواجهة الضغوط الغربية.
ومن هنا، تبدو تصريحات “عراقجي” محاولة صريحة لإيصال رسالة مزدوجة؛ أولها التأكيد على أن الصين وروسيا ما زالتا إلى جانب النظام الإيراني، وثانيها نفي صورة العزلة الدولية التي تحاول واشنطن ترسيخها، مما يضع هذا التصريح ضمن إطار الحرب الإعلامية ومحاولة إدارة الصورة السياسية للبلاد في ظل تصاعد العزلة.
“حرب الإحداثيات”.. عين موسكو في سماء طهران
لكن الأمر يتجاوز الشراكة الروسية الإيرانية حدود المكايدة السياسية، ليصل إلى مساحة شديدة الخطورة تُعرف عسكريًا بـ “حرب الإحداثيات”.
وفقًا لتقارير عسكرية أمريكية وغربية، زودت موسكو طهران بتكنولوجيا استطلاع وإنذار مبكر متقدمة خلال السنوات الماضية؛ أبرزها قمر “خيام” الصناعي الذي أطلقته روسيا لصالح إيران. هذا القمر، وهو من طراز (Kanopus-V)، يمتلك قدرة عالية على التصوير بدقة تصل إلى 1.2 متر، وتستخدمه طهران لتعزيز المراقبة الإقليمية إذ يوفر صورًا استطلاعية عالية الدقة للمنشآت الإقليمية.

إلى جانب ذلك، عززت موسكو قدرات طهران بمنظومات رادار “ريزونانس-إن إي Rezonans-NE” الروسية التي تعمل بترددات (VHF). وهي منظومات قادرة على كشف الأهداف ما وراء الأفق لمسافة تصل إلى 1100 كيلومتر، بما في ذلك قدرتها على تتبع الطائرات الشبحية (مثل F-35) والأهداف الباليستية، وهو ما يخدم فكرة “استشعار الخطر مبكرًا”.
واللافت أن هذا الدعم المعلوماتي لم يعد سرًا استخباراتيًا، بل تقاطع مؤخرًا مع تصريحات صريحة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ففي مقابلة إذاعية جرت 13 مارس الجاري عبر شبكة “فوكس نيوز”، سُئل “ترامب” عما إذا كانت روسيا تساعد إيران في الميدان، فأجاب مؤكدًا: “أعتقد أنه (بوتين) ربما يساعدهم قليلًا.. هو على الأرجح يعتقد أننا نساعد أوكرانيا، هم يفعلون ذلك ونحن نفعل ذلك”. وهو التصريح الذي يمثل أول إقرار أميركي رئاسي بوجود بصمة روسية في إدارة النيران الإيرانية.

فاتورة الـ 4 مليارات.. لماذا تدافع روسيا عن ترسانة إيران؟
في الحقيقة، هو دعم متبادل تحكمه لغة المليارات وتفرضه ضرورات بقاء النظامين؛ يكشفه تقرير لوكالة “بلومبرج” نُشر في يناير 2026، أكد أن روسيا أنفقت أكثر من 4 مليارات دولار على شراء معدات عسكرية إيرانية منذ أواخر عام 2021 لدعم حربها في أوكرانيا.
شملت هذه العقود نحو 2.7 مليار دولار لشراء مئات الصواريخ الباليستية (مثل فاتح-360) وأنظمة دفاع جوي، بالإضافة إلى عقد بقيمة 1.75 مليار دولار لنقل تكنولوجيا طائرات “شاهد-136” وتصنيعها محليًا في روسيا. وبناءً على ذلك، فإن هذا التداخل المالي والعسكري العميق يجعل من سقوط ترسانة طهران اليوم خسارة استراتيجية فادحة لموسكو، مما يُفسر مسارعتها لرد الدَين عبر توفير المظلة الاستخباراتية واللوجستية.
وتأكيدًا لهذا السياق، يُفسر اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري، طبيعة هذا الدعم الروسي المعقد على الأرض. حيث يؤكد أن المساعدة تأتي أولًا في شكل دعم لوجستي حيوي يوفر قطع الغيار والذخائر، نظرًا لاعتماد الترسانة الإيرانية بشكل شبه كلي على التسليح الروسي الصيني.
لكنه يشدد – في تحليله – على أن الأهم من اللوجستيات هو الجهد الاستخباراتي المتمثل في تقديم معلومات وإحداثيات دقيقة عن تحركات القوات الأميركية في الإقليم، والتي تمثل ورقة القوة الأهم في يد طهران اليوم.
ويضيف اللواء سمير فرج، في حديثه لـ”مصراوي”، نقطة جوهرية توضح الفارق في معادلة الميدان، مبينًا أن “المعلومة هي أهم من أي شيء آخر؛ فإذا كانت المعلومة خاطئة سيكون الهدف خاطئًا والضربة فاشلة، بينما المعلومة الصحيحة تضمن إصابة الهدف بدقة”.
ميدانيًا، تتطابق هذه القراءة الاستراتيجية مع التحركات البحرية الحديثة؛ فوفقًا لتقارير عسكرية صدرت مطلع مارس 2026، دفعت الصين بسفينة الاستخبارات والرصد المتقدمة (Liaowang-1)، والتي دخلت الخدمة حديثًا في عام 2025، إلى خليج عُمان بالقرب من حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن”.
تتمتع السفينة الصينية بقدرات هائلة على تتبع إطلاق الصواريخ ورصد الطائرات الشبحية (مثل F-35 و F-22) ومشاركة هذه البيانات الحساسة لحظيًا مع طهران لسد ثغراتها الدفاعية. هذا التطور يُمكّن القوات الإيرانية – وفق تصريحات “فرج” – من توجيه ما تبقى من ترسانتها الصاروخية بشكل دقيق، مما يحوّل المعركة الجارية من مجرد مواجهة نارية تتفوق فيها أميركا جويًا، إلى حرب إشارات خفية تدار تقنيًا عبر حلفاء يمتلكون أقمارًا صناعية وأدوات رصد لا يمكن التشويش عليها بسهولة.
بيدو والنفط.. الاستثمار الصيني لمنع الانهيار
على الجانب الصيني، لم تكن الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة الموقعة مع إيران لمدة 25 عامًا مجرد حبر على ورق، لقد تُرجمت إلى شبكة تكنولوجية عملاقة باتت عصب القيادة والسيطرة الإيرانية. وتكشف تحليلات مؤسسات غربية متخصصة أن بكين ساعدت طهران بشكل جذري في تحويل منظوماتها العسكرية من الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي الأميركي، إلى منظومة “بيدو-3” الصينية العسكرية المستقلة.
تعتمد هذه المنظومة على شبكة تضم أكثر من 500 قمر صناعي، لا تقدم فقط إحداثيات دقيقة لتوجيه الصواريخ، بل توفر أيضًا خدمات رسائل مشفرة تضمن بقاء الاتصال الميداني الإيراني فاعلًا رغم الهجمات السيبرانية الغربية.
والواقع أن اصطفاف موسكو وبكين التقني خلف طهران لم يكن وليد اللحظة أو نتاج عملية الغضب الأسطوري، بل هو تتويج لمسار طويل بدأ بوضوح مع انضمام إيران لمنظمة شنجهاي للتعاون ومجموعة “بريكس”. وقد زادت وتيرة هذا التقارب أمنيًا مع تصدير طهران لآلاف الطائرات المسيرة لدعم الجهد العسكري الروسي في أوكرانيا، وتأسيس مصنع مشترك داخل روسيا بطاقة إنتاجية ضخمة.
وفي المقابل، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران، حيث فتحت خطوط ائتمان واستثمارات هائلة لضمان تدفق النفط الإيراني الرخيص، ليتشكل ما أسمته التقارير الاستراتيجية الغربية بـ “محور الأوتوقراطيات” الذي يتبادل المنافع التقنية والعسكرية بمعزل عن هيمنة النظام المالي والأمني الغربي.
لذا، فإن هذا الموقف الصيني ليس مجرد انحياز سياسي، بل هو شريان حياة مالي مباشر. إذ ووفقًا لتقارير اقتصادية معتمدة صدرت مؤخرًا، قفزت العائدات الإيرانية من مبيعات النفط للصين لتصل إلى نحو 65 مليار دولار في عام 2025.
والأخطر من ذلك هو ما كشفته وثائق الموازنة الإيرانية، حيث تم تخصيص أكثر من 12.4 مليار دولار من هذه العائدات النفطية الصينية لتمويل القوات المسلحة بشكل مباشر، وهو ما يمثل 53% من إجمالي الميزانية الدفاعية الإيرانية.
وتزامنًا مع ذلك، كثفت بكين دعمها اللوجستي العسكري؛ حيث رصدت استخبارات غربية في يناير 2026 نحو 16 رحلة شحن جوي صينية عبر طائرات (Y-20) إلى طهران في غضون 56 ساعة فقط، يُعتقد أنها حملت معدات دفاع جوي وأنظمة حرب إلكترونية متقدمة.

أرباح موسكو ومخاوف بكين.. هل تندلع حرب عالمية؟
مع تواتر الحديث عن تدخل قوى كبرى لإنقاذ إيران عسكريًا واستخباراتيًا، يثور في أذهان القراء تساؤل حتمي ومقلق حول احتمالية انزلاق هذا الصراع المحموم إلى حرب عالمية ثالثة. لكن الخبراء يرون شيئًا آخر بعيدًا عن تريندات السوشيال ميديا في هذا الأمر؛ حيث يحسم اللواء سمير فرج هذا الجدل تمامًا مطالبًا بـ “نسيان كلمة حرب عالمية ثالثة”، ومؤكدًا بشكل قاطع أننا بصدد حرب إقليمية شرسة ومحدودة النطاق نعم، لكنها من دون شك، لن تتسع دائرتها لتشمل مواجهة دولية شاملة تتدخل فيها جيوش القوى العظمى.
ويُرجع الخبير الاستراتيجي، في تصريحاته لـ”مصراوي”، هذا الاستبعاد الواثق إلى الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية الصارمة التي تحكم موسكو وبكين. فدولة مثل روسيا، الغارقة في حربها الخاصة بأوكرانيا، تُعد “المستفيد الأكبر” من الأزمة الراهنة.
إذ أنه مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات النفط والغاز العالمية، قفزت أسعار الطاقة بشكل حاد، ما أنعش الخزانة الروسية وموّل آلتها العسكرية. وهو ما دفع الرئيس فلاديمير بوتين لابتزاز الغرب وعرض استئناف تصدير الغاز الروسي لأوروبا بشروطه الخاصة. ولذلك، ستحرص القيادة الروسية تمامًا على عدم التورط في حرب مباشرة تضر بمكاسبها الطارئة، مكتفية بإدارة النيران من الخلف.
في المقابل، تخضع حسابات بكين لمنطق مغاير؛ فالصين تعتمد بشكل حيوي وشبه كلي على تدفق النفط والغاز الإيراني عبر الممرات البحرية لاستمرار دوران آلتها الصناعية الضخمة.
وهذا الاعتماد هو ما يدفعها لتقديم المساعدة الاستخباراتية في الخفاء ومن “بعيد لبعيد” لضمان صمود طهران وعدم انهيارها، لكن دون الانخراط بقوات عسكرية نظامية في صراع مفتوح مع القوة البحرية الأميركية الضاربة.
وهو الموقف الذي جسّدته بكين بوضوح في أحدث تصريحاتها، حيث امتنع متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن عن توضيح خطط نشر أي أصول بحرية صينية في المنطقة، مكتفيًا بالتشديد في تصريحات لشبكة “سي إن إن” على دعوة بلاده لـ “وقف فوري للأعمال العدائية”، وتأكيده الصارم على أن “جميع الأطراف تتحمل مسؤولية ضمان إمدادات طاقة مستقرة وغير معاقة”.
كما أشار البيان الصيني إلى أن بكين ستواصل كـ “شريك استراتيجي” تعزيز تواصلها لخفض التصعيد.
يختتم اللواء سمير فرج قراءته الدقيقة للمشهد بتوقع مسار الأحداث الدبلوماسية للأيام القادمة، مؤكدًا أنه رغم كل هذا الدعم التقني واللوجستي الفائق الذي يُحدث فارقًا حقيقيًا لطهران في توجيه صواريخها، فإن الأغلب هو أن تعمد قيادات روسيا والصين إلى النفي الرسمي والقاطع لتقديم أي مساعدة عسكرية لإيران. وهو التوقع الذي ينسجم تمامًا مع تصريحات المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف الذي أشار إلى أن روسيا نفت التقارير الاستخباراتية عن تورطها.
لتستمر تفاصيل هذه الحرب كنموذج صارخ لـ “حروب الظل” الحديثة، حيث تُخاض المعارك في الميدان بالصواريخ، وتُدار من الخلف بخرائط وشاشات رادار حلفاء لا يعترفون بوجودهم.
اقرا من المصدر
#كيف #تدير #الصين #وروسيا #حرب #الإحداثيات #لإنقاذ #إيران
اخبار مصر لحظة بلحظة