اخبار مصر
مع تصاعد مجرى الحرب على إيران، لم تعد المعركة مقتصرة على الضربات الجوية والصاروخية أو على ساحات البحر في مضيق هرمز، بل باتت تمتد إلى عمق الداخل الإيراني نفسه.
فبينما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيد الضغط العسكري على طهران، تتجه الأنظار إلى تساؤل أكثر تعقيدًا حول مدى قدرة الضربات العسكرية على التحول إلى أداة لتغيير المعادلة داخل إيران.
وفي الوقت الذي يراهن صناع القرار الأمريكي والإسرائيلي على أن الضغط الخارجي قد يفتح ثغرات في بنية النظام الإيراني، يرى خبراء أن قدرة الدولة الإيرانية على الصمود قد تجعل هذا الرهان أكثر تعقيدًا مما يبدو.

استراتيجية الضغط
منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، ركزت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مراكز عسكرية واستراتيجية داخل إيران، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع تابعة للحرس الثوري، في حين تشير تقديرات مراكز بحثية أمريكية إلى أن الهدف لا يقتصر على تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، بل يمتد إلى زيادة الضغط الداخلي على القيادة الإيرانية وإرباك منظومة صنع القرار في طهران.
كما تسعى واشنطن عن كثب لفتح جبهات ضغط داخلية موازية، من خلال التواصل مع مجموعات معارضة أو جماعات مسلحة على حدود إيران، في إطار استراتيجية تهدف إلى نقل الصراع تدريجيًا إلى الداخل الإيراني نفسه، بما في ذلك ورقة الأكراد، بعدما كشفت شبكة “سي إن إن”، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) تعمل على تسليح القوات الكردية بهدف إشعال انتفاضة شعبية في إيران.
وأجرت إدارة ترامب محادثات مكثفة مع جماعات المعارضة الإيرانية والقيادات الكردية في العراق بشأن تقديم الدعم العسكري لهم، وفق الشبكة الأمريكية.
ومع ذلك، ورغم حجم الضربات العسكرية، تشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن الحكومة الإيرانية ليست مهددة بالانهيار الفوري، وأن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على السيطرة على الوضع الداخلي، بحسب ما نقلت وكالة “رويترز” في تقرير لها.
وقال مصدر استخباراتي مُطلع، إن “عددًا كبيرًا من التقارير الاستخباراتية يقدم تحليلًا متسقًا يفيد بأن النظام ليس في خطر الانهيار، وأنه لا يزال يحتفظ بالسيطرة على الشارع الإيراني”.
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى استمرار تماسك القيادة الدينية في إيران، رغم مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير، وهو اليوم الأول من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ثم تعيين نجله مجتبى خلفًا له.

ماذا حدث في الداخل الإيراني؟
من طهران، قال الدكتور مهدي عزيزي، مدير مركز “الرؤية الجديدة” الإيراني للدراسات، إن الرهانات على انهيار الوضع الداخلي في إيران خلال الأيام الأولى من الحرب لم تتحقق، رغم شدة الضربات العسكرية والضغوط التي تعرضت لها البلاد.
وأوضح عزيزي في تصريحات لمصراوي، أن “بعض التقديرات الغربية كانت تتوقع حدوث انهيار أمني أو اقتصادي أو سياسي وعسكري خلال الأيام العشرة الأولى من المواجهة، إلا أن ذلك لم يحدث حتى رغم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى”، معتبرًا أن “اختيار القادة الجديدة، مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الأعلى الشهيد الإيراني، غير كل الموازين”.
وأضاف أن “المراهنات كانت قائمة على خروج احتجاجات في الشارع الإيراني، أو تحرك المعارضة المسلحة من الخارج، إضافة إلى نشاط الجماعات الانفصالية، خصوصًا الأكراد، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن”.
الأمر الأكثر إيلامًا للداخل الإيراني، وفق تقديرات “عزيزي” ما تعرضت له البلاد من استهدافات طالت منشآت مدنية، من بينها مستشفيات ومدارس، وبالتحديد حادث قصف مدرسة ابتدائية والتي أودت بحياة 150 تلميذة، منتقدًا في الوقت ذاته ما وصفه بتناقض الرواية الأمريكية حول دقة الضربات العسكرية، في ظل استخدام صواريخ “توماهوك” في تلك الهجمات.
وقال مصدران مطلعان لـ”رويترز”، إن الضربة التي استهدفت مدرسة للبنات في إيران، جاءت نتيجة لاستخدام الولايات المتحدة لـ”بيانات استهداف قديمة”، مما يتيح تفاصيل جديدة عما يمكن اعتباره من أسوأ حالات سقوط ضحايا مدنيين في عقود من الصراعات الأميركية.

“تماسك داخلي”
وعاد مدير مركز “الرؤية الجديدة” الإيراني، للتأكيد على أن الوضع الداخلي في إيران لا يزال مستقرًا إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن الحياة اليومية مستمرة رغم أجواء الحرب، فالأسواق ومحطات الوقود لم تشهد حالات فوضى أو هجمات، كما أن توفر السلع الأساسية والمواد الغذائية ما زال قائمًا في معظم المدن.
وأوضح “عزيزي” أن الضغوط العسكرية، على شدتها، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تعزيز التماسك الداخلي، خاصة أن الحروب عادة ما تدفع المجتمعات إلى مزيد من الوحدة، وهو ما يرى أنه يحدث حاليًا داخل إيران، مستندًا إلى ما وصفه بحضور شعبي واسع ودعم اجتماعي للنظام.
وعن ملامح هذا “الدعم الشعبي”، شدد “عزيزي” على أن اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا للبلاد حظي – وفق تقديره – بقبول اجتماعي.

اختبار للنظام الإيراني
من جانبها، أشارت رانيا مكرم، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أن الحروب كثيرًا ما تتحول إلى لحظة فاصلة في تاريخ الدول، لا تقف فيها آثارها عند حدود ساحات القتال وموازين القوة العسكرية بين أطرافها، بل تمتد لتطال البنية الداخلية المكونة لها، إذ تختبر قدرة النظم السياسية على الحفاظ على تماسكها.
وأوضحت “مكرم” في تقرير نشره المركز، أن الحرب على إيران، واستهداف ضرباتها العسكرية المكثفة البنية القيادية للنظام الإيراني، جاءت لتضع هذه البنية المؤسسية أمام اختبار غير مسبوق، خاصة مع وصول الاستهداف إلى الصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية، وانتهاءه باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
واعتبرت أن قراءة مسار النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 تشير إلى أن استمراريته لم تكن مرتبطة بشخصيات القيادة السياسية وحدها، بقدر ما استندت إلى بنية مؤسساتية معقدة ومتشابكة تضم الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية، وهي مؤسسات لعبت دوراً محورياً في حماية النظام وإدارة الأزمات التي واجهها على مدار العقود الماضية.
وذكرت “مكرم” أن المجتمع الإيراني يعيش حالة من الصدمة المركبة، الناتجة عن الضربة الأولى والتي أدت إلى مقتل المرشد خامنئي، على الرغم من إعلان إيران أكثر من مرة عن استعدادها للجولة القادمة من المواجهات، ما يعني أن الاختراق الأمني والاستخباراتي قد بلغ مراحل متقدمة وصلت إلى الصف الأول من القادة، بل إلى رأس الدولة ومرشدها.
اقرا من المصدر
#رهان #واشنطن #على #الداخل #الإيراني. #هل #تؤتي #الضربات #أكلها
اخبار مصر لحظة بلحظة