حرب إيران وأمريكا بعد 22 يومًا.. كيف يقترب الخطر أكثر من مائدة طعامك؟

حرب إيران وأمريكا بعد 22 يومًا.. كيف يقترب الخطر أكثر من مائدة طعامك؟

اخبار مصر

في الأسبوع الرابع من حرب إيران، لم يعد المشهد يُقرأ من قمرة الطائرات وحدها، ولا من عدد الصواريخ التي انطلقت أو سقطت. الجزء الأخطر من المعركة انتقل بصمت إلى مكان آخر: إلى الناقلات التي تتردد قبل عبور المضيق، وإلى شركات التأمين التي تضاعف أسعارها، وإلى أسواق طاقة شديدة الحساسية تلتقط أي إشارة خوف وتحوّلها فورًا إلى قفزة في الكلفة.

هنا بالضبط يبدأ المعنى الحقيقي للسؤال عن إيران وأمريكا؛ فإذا كانت واشنطن تحتفظ بالتفوق الناري المطلق في السماء، فإن هناك قوة أخرى تتشكل على الأرض وفي البحر؛ قوة لا تقاس بالقدرة على التدمير المباشر، بل بالقدرة على نقل الحرب من شاشة العمليات العسكرية إلى جيب المستهلك، ومن خريطة الشرق الأوسط إلى فاتورة الوقود والكهرباء والشحن والغذاء، فكيف إذن تُقرأ موازين القوة في حرب لم تعد عسكرية فقط؟ ولماذا يعتقد كبار المحللين الاستراتيجيين في واشنطن والعالم أن طهران قد تمسك بمفاتيح لا تملكها أمريكا نفسها؟

لماذا لا تكفي النار الأمريكية؟

إذا بدأنا بقياس القوة الصلبة، فإن الحسابات العسكرية التقليدية لا تترك مجالًا لجدل طويل، وفق ما يذكره ألبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب الأمريكية للسياسات، حين يقدم في نقاش لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي CFR رؤية تعتمد على تقويض قدرة إيران على استخدام الصواريخ والمسيّرات الهجومية. وهو ما يدعمه إليوت أبرامز وماكس بوت، إذ يؤكدان أن القراءة المباشرة لا تُشكك في كون واشنطن ما زالت صاحبة السقف الأعلى في القصف، والأوسع في بنك الأهداف، والأقدر على فرض صدمة عسكرية مركزة في وقت قياسي.

لكن هل تكفي كثافة النيران وحدها للإجابة عن سؤال: من يملك الكروت الأقوى في حرب إيران؟

تبرز الفجوة التي تلتقطها القراءة الأكثر عمقًا في حديث جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية البارز، الذي لا يقلل من شأن آلة الدمار الأمريكية، لكنه يطرح إشكالية من نوع آخر: المشكلة الحقيقية تكمن في ترجمة هذا النجاح التكتيكي الخالص إلى نتيجة استراتيجية قابلة للحياة.

بعبارة أبسط، تستطيع واشنطن أن تضرب كثيرًا وتدمر أكثر، لكنها لا تملك حتى الآن مسارًا واضحًا يوصل هذه الضربات إلى لحظة سياسية يمكن تسميتها “نصرًا نهائيًا”. وهذه المسافة الغائمة بين “القدرة على القصف” و”القدرة على الحسم” هي ما يجعل القوة الأمريكية، في هذا الصراع تحديدًا، تبدو كـ”مارد عاجز”: قوة هائلة بلا خريطة طريق مريحة للخروج من الحرب.

ولأن هذه الفجوة تتجاوز التنظير الأكاديمي، يضيف فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، بعدًا سياسيًا بالغ الحساسية.

يقول في تحليله المنشور عبر موقع مجلس العلاقات الخارجية، إن الضغط الخارجي العنيف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، دافعًا الداخل الإيراني إلى الالتفاف حول النظام بدل التمرد عليه.

وهو ما يراه أيضًا دانيال بايمان، مدير برنامج الحرب والإرهاب في CSIS، ويضيف عليه أن إضعاف الجيش الإيراني لا يسلب طهران قدرتها على تهديد الملاحة ورفع كلفة الشحن والتأمين في مضيق هرمز.

الخلاصة هنا صادمة: واشنطن تنتزع التفوق في السماء، لكنها تفشل في منع خصمها من تحويل المعركة إلى حرب أعصاب طويلة، وباهظة الكلفة، ومفتوحة النهايات.

هرمز.. المكان الذي تذوب فيه الهيمنة العسكرية

إذا كانت السماء ملكًا للنار الأمريكية، فإن طهران تعرف جيدًا أين تنقل ساحة الاشتباك لتجريد هذا التفوق من ميزته. ووفق هذه الحسابات، يظهر مضيق هرمز كواحد من أثقل الكروت في حرب إيران، كما يشير تحليل معهد RSIS في سنغافورة، مؤكدًا أن مركز الثقل في الصراع لم يعد في القواعد الجوية، بل في هذا الممر البحري الحرج.

لماذا؟

لأن هرمز ليس مجرد نقطة اشتباك عسكري، بل هو شريان حياة يضع القوة العسكرية الأمريكية أمام اختبار مستحيل: محاولة منع ارتداد اقتصادي عالمي. وهذا ما تؤكد عليه كذلك تقارير الأونكتاد (UNCTAD)، واصفةً المضيق بأنه أحد أخطر الاختناقات التجارية في العالم، لا سيما لإمدادات الطاقة المتجهة إلى آسيا.

آلية هذا التهديد يشرحها إدوارد فيشمان، مدير مركز الدراسات الجيواقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، موضحًا أن الحرب تسببت في غضون أسبوعين فقط فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية”. ويشير إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته كانت تتدفق يوميًا عبر المضيق، لكن هذه التدفقات تباطأت بشدة، ليرتفع سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل (بعد أن كان 65 دولارًا قبل التصعيد).

والأهم في هذه المقاربة هو الكشف عن استراتيجية إيران: هي لم تغلق المضيق بالألغام أو الحصار البحري، بل استخدمت طائرات مسيّرة وأسلحة منخفضة التكلفة لضرب عدد ضئيل من السفن. ومع ذلك، كان هذا العدد القليل كافيًا لتغيير حسابات المخاطر في قطاع الشحن العالمي بأكمله.

هذه هي المفارقة التي تمنح طهران كارتها الأقوى: القدرة على جعل المرور البحري مكلفًا لدرجة لا تُحتمل دون معركة بحرية تقليدية. إذ وكما يلفت “فيشمان” الانتباه، فإن واشنطن تفتقر للخيارات السهلة؛ فحتى إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطي، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتخفيف العقوبات مؤقتًا على روسيا لجلب إمدادات إضافية، لم يُحدثا أثرًا ملحوظًا في كبح الأسعار التي قفزت.

وفي النهاية، يضع هذا الكارت الإيراني واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر، كما يستنتج فيشمان: إما تقديم تنازلات صعبة لإقناع طهران بفتح المضيق، أو تصعيد الحرب والمخاطرة بسفنها الحربية وقواتها البرية.

ويحذر براد ستسر، الخبير في CFR، من أن إغلاقًا ممتدًا للمضيق قد يسحب 10 ملايين برميل يوميًا من الأسواق، دافعًا أسعار النفط نحو حاجز الـ 170 دولارًا للبرميل. بينما يدق روجر فيرجسون ناقوس الخطر بشأن عودة شبح “الركود التضخمي” مع استمرار الأزمة بالمضيق؛ فالصدمة النفطية لا تبقى حبيسة البورصات؛ ولكنها تنتقل كعدوى سريعة إلى قطاعات النقل والإنتاج وأسعار التجزئة.

هكذا، يتحول الصراع في هرمز من أزمة جيوسياسية بعيدة إلى واقع يومي يقرع باب المستهلك مع كل فاتورة وقود أو سلة مشتريات.

مضيق هرمز.. إنفوجراف مصمم بالذكاء الاصطناعي

أبعد من النفط.. كيف تهدد حرب إيران أسعار الغذاء؟

حصر تداعيات الكروت الأقوى في برميل النفط هو قراءة مجتزأة للأزمة، كما يوضح مايكل فيرز، الذي يفتح في تحليلات CFR جبهة أقل صخبًا إعلاميًا لكنها أشد فتكًا: الغذاء والأسمدة.

يوضح فيرز أن ربع إنتاج الأسمدة العالمي يتدفق عبر هرمز، وأن اضطراب هذا المسار أدى بالفعل إلى قفزات حادة في أسعار اليوريا. وهذا الترابط يوضح كيف تمتد شظايا الحرب من ناقلات البحر إلى حقول الزراعة، لتستقر أخيرًا في صحن الطعام. وحينها، تصبح حرب إيران أزمة أمن غذائي تضرب من لا ناقة له في الصراع ولا طائرة.

ويسلط كريس ماكجواير، زميل أول للتقنيات الناشئة في (CFR)، الضوء على استهداف طهران لمراكز البيانات التجارية في منطقة الخليج كسابقة عسكرية خطيرة. ويقول نصًا: “بينما كانت البنية التحتية للنفط هي شريان الحياة للاقتصاد العالمي في القرن العشرين، فإن مراكز البيانات هي شريان الحياة لاقتصاد القرن الحادي والعشرين”.

إن توسع بنك الأهداف إلى هذا المستوى يشرح بجلاء كيف تدير طهران أوراقها: هي لا تسعى لمواجهة الصواريخ بالصواريخ فحسب، بل تستهدف المنظومة الاقتصادية واللوجستية والرقمية التي تعتمد عليها واشنطن وحلفاؤها لإدارة مصالحهم وتأمين مستقبلهم.

الارتداد المحلي.. كيف تدفع مصر فاتورة هرمز؟

هذا التحليل الدولي لـ”عدوى الأسعار” لا يدور في فراغ، إنه يجد صدىً ملموسًا في الداخل المصري الآن. فمع كل تصعيد في الخليج يقفز خام برنت – الذي تخطى حاجز الـ 112 دولارًا للبرميل – مكلفًا الموازنة المصرية نحو 4 مليارات جنيه إضافية مع كل دولار زيادة.

هذا الضغط العالمي تُرجم محليًا في مارس 2026 إلى زيادات رسمية في أسعار المحروقات، حيث ارتفع سعر لتر السولار – عصب النقل والزراعة – إلى 20.5 جنيه، وقفزت أسطوانة البوتاجاز المنزلي إلى 275 جنيهًا.

اقرأ أيضًا: كيف تنتقل زيادة السولار من النقل إلى مائدة المستهلك؟

ولأن مصر تستورد نحو 70% من قمحها، فإن تعطل طرق الشحن وتضاعف تكاليف التأمين البحري (التي قد ترتفع بنسبة تصل إلى 50% وفق تقديرات مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية) يضغطان بقوة على فاتورة الاستيراد.

الأزمة هنا مزدوجة: فمن جهة، ترتفع كلفة تأمين السلع الأساسية المستوردة، ومن جهة أخرى، تواجه الصادرات الزراعية المصرية تحديات في الوصول إلى أسواق الخليج بسبب اضطراب الممرات الملاحية. وهنا بالضبط، يخرج مضيق هرمز من كونه نقطة جغرافية على الخريطة، ليصبح رقمًا صعبًا يتدخل في تسعير الخبز والخضار واللحوم في الأسواق المحلية.

إنفوجراف مصمم بالذكاء الاصطناعي لعرض آثار الأزمة على مصر

​سباق بين نيران أمريكا وساعة إيران الرملية

في قلب هذه التشابكات، يبرز الزمن كأحد أخطر فاعلين الحرب. جون ميرشايمر يعيد التذكير بأن واشنطن لا تعاني في إطلاق الرصاصة الأولى، بل في إدارة الأسبوع الرابع والخامس وما بعدهما بلا أفق للحل.

فمع مرور الوقت، ينقلب التفوق الناري إلى عبء: استنزاف للذخائر، وإرهاق للحلفاء، واضطراب متصاعد في الأسواق، وتساؤلات داخلية مريرة حول الجدوى. بينما على الضفة الأخرى، تراكم إيران – رغم ما تتلقاه من ضربات – رصيدًا تفاوضيًا مبنيًا على قدرتها المستمرة على الصمود وإدامة حالة القلق.

​هذه الاستراتيجية تجعل طهران تراهن على “تآكل الصبر” أكثر من رهانها على نصر عسكري كلاسيكي.

يؤكد معهد ifo وتشاتام هاوس هذه المخاوف بتقارير تحذر من أن إطالة أمد الحرب سيكبح النمو الاقتصادي ويجهض محاولات التعافي، واضعًا اقتصادات الدول المستوردة للطاقة تحت ضغط خانق. وهنا، يتحول الزمن من مجرد رقم على الشاشة إلى أداة ضغط حية تعتصر قرارات الحكومات، وميزانيات الشركات، ومدخرات العائلات.

إنها ساعة رملية إيرانية تتحدى الترسانة الأمريكية.

لماذا يزيد العامل الإسرائيلي المأزق؟

لفهم صورة الكروت الأقوى كاملة، يجب إدخال المتغير الإسرائيلي إلى المعادلة، كما يوضح جون ميرشايمر، الذي يشير مرارًا إلى أن إسرائيل لعبت دورًا محوريًا في دفع الولايات المتحدة نحو هذا المسار التصادمي.

خطورة هذا الطرح لا تتوقف عند حدود السياسة، بل تفسر القيود المفروضة على القرار الأمريكي؛ فعندما تتداخل حسابات واشنطن الأمنية مع طموحات تل أبيب، تصبح صياغة مخرج من الحرب مهمة شبه مستحيلة، والتراجع هنا لم يعد مجرد قرار عسكري، بل أزمة سياسية تضرب في صميم التحالفات الاستراتيجية.

ويمكننا القول إنه إذا كانت إسرائيل مدعومة بالولايات المتحدة في حرب إيران، فإنه خلف كواليس هذا المأزق، لا تبدو طهران بلا ظهير.

تصريحات عباس عراقجي حول تلقي بلاده “تعاونًا عسكريًا” من موسكو وبكين، وما نقلته CNN عن قيام روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخباراتية حول تحركات القوات الأمريكية، يضيف طبقة جديدة من التعقيد على هذه الأزمة.

وبغض النظر عن الحجم الفعلي لهذا الدعم، فإنه يمنح طهران أكسجينًا إضافيًا للصمود، ويؤكد لواشنطن أنها لا تواجه خصمًا معزولًا بالكامل، مما يطيل أمد حرب الاستنزاف ويعقد فرص وإمكانيات إنهائها.

​أين تميل الكفة؟

إذا كان السؤال: من يملك القوة الأكبر في حرب إيران؟ فالإجابة البديهية هي واشنطن. لكن متى تحول السؤال إلى: من يملك الكروت الأقوى لتعطيل نصر الخصم، واستنزاف الوقت، وربط الجبهات بأسواق النفط والغذاء والتضخم؟ فإن المؤشرات تميل نحو طهران.

لقد أدرك الجانب الأضعف عسكريًا باكرًا أن مقارعته لأمريكا في السماء هي معركة خاسرة، فقرر نقلها إلى حيث يتألم خصمه أكثر: إلى مضيق هرمز، وعدادات الطاقة، وهواجس الحلفاء، ويوميات المستهلكين.

وحتى اللحظة، تبدو المفارقة الاستراتيجية ساطعة الوضوح: قد تملك أمريكا السلاح الأكبر، لكن إيران هي من تقبض على الكروت الأقوى.

اقرا من المصدر

#حرب #إيران #وأمريكا #بعد #يوما. #كيف #يقترب #الخطر #أكثر #من #مائدة #طعامك

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *