حرب إيران بعد 23 يومًا.. كيف سقطت ملاجئ إسرائيل في اختبار خرمشهر؟

حرب إيران بعد 23 يومًا.. كيف سقطت ملاجئ إسرائيل في اختبار خرمشهر؟

اخبار مصر

كيف يُمكن أن تقنع من عاش 23 يومًا متواصلة في حالة من الرعب الممتد بين الشقة والدرج والملجأ، بينما تتساقط صواريخ إيران فوق رأسه، بما يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إقناعه به اليوم؟ وقد فرضت حرب إيران المتواصلة منذ 28 فبراير الماضي، أحد أكبر الأسئلة عن قوة البنية الدفاعية الإسرائيلية، التي لطالما تغنت تل أبيب بـ “مناعتها” أمام الصواريخ الباليستية الثقيلة والعنقودية.

نتنياهو في “عراد”.. خطاب مفارق للواقع

لقد حاول بنيامين نتنياهو الالتفاف على هذا التساؤل الميداني الصادم، في زيارته مدينة “عراد” عقب تعرضها للضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة. قال وهو يقف على أنقاض الاستهداف إنه “يعتمد على التحصينات لا المعجزات”، بينما دعا السكان للالتزام الصارم بتعليمات الجبهة الداخلية.

اقرأ أيضًا: فيديو- هجوم إيراني على “عراد”.. وإعلام إسرائيلي: أكبر عدد من الإصابات منذ بدء الحرب

حاول الرجل، وبخطابٍ خالفته الوقائع، تحميل الإسرائيليين أنفسهم المسؤولية بعد ضربة واحدة طالت “عراد” و”ديمونا” وأدت لإصابة أكثر من 180 شخصًا -بينهم العشرات في حي واحد. لكن سرعان ما سقط هذا التوبيخ الرسمي أمام بيانات موثقة أكدت أن المشكلة أبعد بكثير من مجرد “سلوك أفراد” لم يمتثلوا للتعليمات.

من زيارة نتنياهو لـ عراد

ملاجئ إسرائيل.. “عجز موثّق” سبق الصدمة

في يناير الماضي، وثق تقرير مراقب الدولة، متنياهو إنجلمان، واقعًا مأزومًا لأكثر من 3 ملايين شخص (نحو ثلث سكان إسرائيل) يعيشون في مناطق تفتقر إلى “الحماية المعيارية”، سواء عبر غرف آمنة داخل المنازل أو ملاجئ عامة صالحة للاستخدام.

وقد حذر إنجلمان، في تقريره، من أن نقص الملاجئ في الشمال تحديدًا يمثل “خطرًا عاجلًا” يستوجب تدخلًا فوريًا، خاصةً وأن جزءًا كبيرًا من الملاجئ القائمة يعاني عيوبًا إنشائية ولوجستية تجعلها أشبه بمصائد بدلًا من كونها ملاذات آمنة.

حين يتحول الخوف إلى “اختناق”

وقد أوضح تقرير لصحيفة “يسرائيل هيوم” أنّ نحو 40% من سكان منطقة “تل أبيب الكبرى” يعيشون في مبانٍ لا تحتوي على غرف آمنة أو ملاجئ مطابقة للمواصفات الحديثة، مما يضطرهم للاعتماد على الدرج أو مواقف السيارات كمساحات “شبه آمنة”.

ونقلت “جيروزالِم بوست” في تحقيق ميداني صورًا قاتمة من داخل الملاجئ العامة، واصفةً التكدس بأنه يبلغ حد “الاختناق” مع كل رشقة صاروخية، لدرجة أن بعض السكان أغلقوا أبواب الملاجئ في وجوه جيرانهم متذرعين بالخوف من كارثة التدافع، في مشهد يعكس ذروة انهيار منظومة الأمان الاجتماعي تحت ضغط الصواريخ.

متداولة لملجأ إسرائيلي مدمر

العرب في “منطقة الظل”.. حين تصبح الحماية امتيازًا

وإذا كانت الأرقام العامة للهشاشة في الجبهة الداخلية صادمة، فإن تفاصيلها داخل الوسط العربي في الأراضي المحتلة تكشف عن طبقة أعمق من الخلل الهيكلي.

لقد تحول غياب التحصينات إلى أزمة وجودية تهدد حياة الآلاف؛ هذا ما يؤكده تقرير مراقب الدولة حين يذكر أن إسرائيل تضم نحو 11,775 ملجأً عامًا، نصيب المجالس المحلية العربية منها لا يتجاوز 37 ملجأً فقط، من بينها ثمانية غير صالحة للاستخدام على الإطلاق.

هذا يعني رقميًا أن أقل من 1% من شبكة الملاجئ العامة تخدم التجمعات العربية، التي تواجه اليوم التهديد الصاروخي ذاته الذي يواجهه باقي السكان. وهو تفاوت طبقي صارخ في توزيع “الحق في الحياة”، وفق خريطة استقصائية كشف عنها موقع “شومريم – مركز الإعلام والديمقراطية في إسرائيل”، أظهرت بياناتها أن بلدات عربية وبدوية بأكملها، لا سيما في النقب والجليل، تكاد تكون خاوية من أي بنية حماية، أو تكتفي بأعداد رمزية لا تستوعب جزءًا يسيرًا من كتلتها السكانية.

وبحسب الأرقام، تبرز مدينة “رهط” كنموذج صارخ لهذا الإهمال؛ فهي بكتلتها التي تناهز 96 ألف نسمة، لا تمتلك سوى 5 ملاجئ عامة، بينما تفتقر بلدة “شقيب السلام” – التي يقطنها نحو 13 ألف نسمة – لأي ملجأ معتمد من الدولة.

وفي الشمال، تتفاقم الصورة في مدينة “طمرة”؛ حيث قرابة 40% فقط من السكان يملكون غرفًا آمنة داخل منازلهم، في ظل غياب شبه تام للملاجئ العامة الملائمة. وقد تحولت هذه “الفجوة الإنشائية” إلى واقع دامٍ في جولة سابقة، حين أصاب صاروخ مبنىً في المدينة، ما أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين، في حادثة التقطتها الصحافة المحلية لتصبح دليلًا دامغًا على أن غياب التحصينات ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو الفارق المباشر بين الحياة والموت.

وهو ما أشارت إليه أيضًا صحيفة “نيويورك تايمز”، حين لفتت أن المدن اليهودية – حتى متوسطة الحجم منها – تتمتع بشبكة أوسع من الغرف الآمنة والملاجئ العامة، ما يمنح سكانها فرصًا أسرع للوصول إلى الحماية في الثواني الحاسمة التي تسبق صافرات الإنذار.

العرب في إسرائيل خارج معادلة الحماية

ملاجئ إسرائيل في ميزان الهندسة العسكرية

بعيدًا عن الخطاب السياسي، تُخضع مراكز الأبحاث منظومة التحصينات الإسرائيلية لاختبار هندسي قاسٍ في حرب 2026. فوفقًا لقراءات البروفيسور نير مؤالم، من معهد “التخنيون” – في ورقة بحثية بعنوان “الملاجئ والغرف الآمنة: السياسات واللوائح” – تطورت هذه المنظومة منذ الستينيات من الملاجئ العامة المشتركة، وصولًا إلى إدخال “المَمَد” (الغرفة الآمنة) داخل كل شقة سكنية منذ التسعينيات.

ويشير “مؤالم” إلى أن المواصفات القياسية لهذه المنشآت، التي تعتمد على جدران خرسانية بسمك (20-30 سم) وأبواب فولاذية، صُممت أصلًا لبيئة تهديدات تعتمد على قذائف الهاون والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، حيث يُفترض أن الانفجار يقع في المحيط لا في عمق السقف.

ولذلك، فإن هذه الفلسفة الدفاعية تواجه تحديًا وجوديًا أمام التطور النوعي للترسانة الإيرانية.

ويوضح خبير الدفاع الصاروخي عوزي روبين، في تحليل نشرته “جيروزالِم بوست”، أن الصواريخ الباليستية ذات الرؤوس العنقودية تفرض معادلة جديدة كليًا؛ إذ يُطلق الرأس الحربي في الجو قنيبلات صغيرة تغطي مساحات واسعة، ما يجعل احتمالية إصابة مبانٍ متعددة في آن واحد أمرًا واردًا، وهو ما يُخرج سيناريو “التحصين المدني” عن دائرة الفاعلية، ويعيد العبء كاملًا على عاتق منظومات الدفاع الجوي.

إعلام عبري: تضرر 20 مبنى على الأقل في مدينة عراد جنوبي إسرائيل جراء سقوط صاروخ إيراني / Reuters

حرب إيران 2026.. هل تكفي ملاجئ إسرائيل؟

وتُعزز هذه المخاوف تقارير “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” (IISS) حول “التوازن العسكري في الشرق الأوسط”؛ حيث تمتلك طهران صواريخ ثقيلة مثل “خرمشهر” برأس حربي يزن طنًا كاملًا، وصواريخ “سجيل” ذات السرعات الفائقة التي تضاعف الأثر التدميري عند الاصطدام.

وتكشف التقارير أن حرب يونيو 2025 (حرب الأيام الاثني عشر) شهدت إطلاق أكثر من 600 صاروخ باليستي إيراني، وصل منها نحو 500 إلى الأجواء الإسرائيلية، مخترقةً – في أجزاء منها – منظومات الاعتراض لتصل إلى أهدافها.

وهذه الأرقام تضع مراكز إسرائيلية كبرى مثل (INSS) أمام استنتاج مقلق: منظومة التحصينات الحالية طُورت لمواجهة حروب قصيرة ورشقات محدودة، بينما تجد “الخرسانة العبرية” نفسها اليوم في مواجهة سيناريو “حرب استنزاف صاروخية” مفتوحة.

وهنا، يتفق الخبراء على أن الرهان لم يعد على “القبة الحديدية” وحدها، بل على مدى قدرة هذه الملاجئ – بما تحمله من عيوب هيكلية وتفاوت اجتماعي في توزيعها – على الصمود أمام إيقاع حربٍ تسعى طهران من خلالها إلى إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة استنفار دائم تحت الأرض.

صواريخ إيران وحرب الأعصاب

وإلى جانب الخرسانة والحديد، تكشف الأبحاث النفسية أن هناك طبقة أخرى من الكلفة لا تظهر في صور الملاجئ: كلفة البقاء تحت الأرض لأيام وأسابيع متواصلة.

دراسة منشورة في مجلة “Scientific Reports” هذا العام، تتبعت حالات من تم إجلاؤهم أو عاشوا فترات طويلة تحت التهديد الصاروخي، وتقول إن ما بين 38 و46% من المشاركين استوفوا معايير اضطراب ما بعد الصدمة، مع نسب أعلى لدى الذين قضوا وقتًا أطول في مراكز إيواء وملاجئ مكتظة.

وهو ما تؤكده أبحاث أخرى تذهب إلى أبعد من ذلك؛ فتربط بين التعرض المستمر لصافرات الإنذار وضيق وقت الوصول إلى الملجأ، وبين زيادة معدلات القلق المزمن والاكتئاب وبعض الأمراض المناعية، بل وتسجيل معدلات وفيات أعلى في المناطق الأقرب إلى خطوط التماس حيث يتكرر الإنذار أكثر، ويصبح الملجأ جزءًا من الروتين اليومي.

صافرات إنذار إسرائيلية

تقدم هذه الدراسات رؤية تعتمد على بيانات واسعة لعشرات الآلاف من البالغين الذين عاشوا أعوامًا قرب غزة ومناطق التماس، وهي بيانات يمكن إسقاطها اليوم على واقع حرب 2026 وما تفرضه من حياة متقطعة بين السطح وتحت الأرض، تدعمها أيضًا تحذيرات خبراء الصحة النفسية في إسرائيل، والتي تشير إلى الضغط المضاعف الذي تخلقه حرب طويلة مع إيران، تفتح أكثر من جبهة في وقت واحد، ليصبح سؤال “هل تحمي الملاجئ من الصواريخ؟” مرتبطًا بسؤال آخر: “كم يمكن لمجتمع كامل أن يتحمل العيش في هذه المساحات المغلقة دون أن يدفع ثمنًا نفسيًا عميقًا يظهر بعد انتهاء الحرب؟”.

ملاجئ إسرائيل و”اللعبة الطويلة”

وفي محاولة لفهم ما وراء القرارات اليومية التي تتخذها حكومة بنيامين نتنياهو، يقدّم عاموس يادلين، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) والباحث في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، قراءة استراتيجية تربط بين التهديد الصاروخي ومعادلة الردع. يرى أن “مشروع الصواريخ الدقيقة” الإيراني لم يعد مجرد تهديد عسكري تقليدي، لكنه تحول إلى أداة لضرب منشآت حساسة وأحياء بعينها، ما يجعل أي خلل في منظومة الحماية المدنية نقطة ضعف استراتيجية قادرة على شلّ القرار السياسي الإسرائيلي.

وعلى مستوى أوسع، يطرح الباحث أكرم زاعوي، في ورقة صادرة عن معهد الشؤون الدولية (IAI)، تصورًا لدور نتنياهو في إدارة “لعبة طويلة” تستخدم الصراع المفتوح مع إيران كأداة لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية. وضمن هذه القراءة، تبدو الجبهة الداخلية بكل فجواتها – وطبقاتها المتفاوتة في الحماية – وكأنها تدفع ضريبة باهظة لهذا الخيار، كجزء من كلفة سياسية واستراتيجية يسعى نتنياهو لتحصيل مكاسبها على المدى البعيد.

وفي المقابل، تعكس استطلاعات الرأي الصادرة عن (INSS) هذا التمزق النفسي؛ فبينما لا يزال قطاع من الإسرائيليين يؤيد الضربات القاسية ضد إيران، يتصاعد قلقٌ وجودي من قدرة الجبهة الداخلية على تحمّل حرب استنزاف طويلة ذات كلفة بشرية واقتصادية لا تُحتمل.

وبذلك، تتشكل أمامنا صورة لجبهة داخلية ليست كتلة صماء، بل “خارطة من الفوارق”: يهود وعرب، ومركز وأطراف، وملاجئ حديثة وأخرى متهالكة، وقيادة سياسية تراهن على التحصينات بينما يعيش الجميع هناك في غرف ضيقة تحت الأرض، آملًا ألا يطاله الصاروخ القادم.

وعندما تُردد الحكومة أن “التحصينات هي خط الدفاع الأول”، يبقى السؤال الذي تفرضه أرقام مراكز الأبحاث وتقارير الصحافة الاستقصائية معلقًا: هل يعني هذا الخطاب كل من يعيش داخل حدود إسرائيل، أم أولئك الذين وصلت إليهم التحصينات فعليًا؟

اقرا من المصدر

#حرب #إيران #بعد #يوما. #كيف #سقطت #ملاجئ #إسرائيل #في #اختبار #خرمشهر

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *