القُربان.. بين المقدَّس والمدنَّس | مصراوى

القُربان.. بين المقدَّس والمدنَّس | مصراوى

اخبار مصر

لطالما مثّلت مسألة الأضحيات والقرابين سحرًا خاصًا على الباحثين في العلوم الإنسانية، وهو ما لم يمنع فتور الاهتمام بها بين فينةٍ وأخرى. وتعود معظم الأعمال المخصصة للمسألة، والمعتبرة من الناحية المنهجية، إلى الفترة التي بدا فيها للمهتمين أن للعلموية فرصة فرض نفسها في مجال علم الاجتماع، ليفتر الاهتمام بعدها بالظاهرة في بُعدها الشمولي، وتقتصر الدراسات عمومًا على تناول الطقوس القربانية الخاصة ببعض الشعوب والمناطق. فهل يعود ذلك إلى اقتناع الإثنولوجيا بحدود مجال تدخّلها أم إلى حرج أيديولوجي بسبب ديمومة هذه الظاهرة وحضورها حتى في مجتمعات ما بعد الحداثة؟

ومهما كان الأمر، فإن الباحث المهتم لن يعدم التعرف إلى عملٍ كبير مهم وحاسم على أكثر من صعيد من خلال هذا النص الذي يعود إلى عام 1899: «مقالة في طبيعة القُربان ووظيفته» بقلم الباحثين هنري هوبير ومارسيل موس؛ وهو النص الذي سيكتمل من حيث الرؤية العامة بنصٍ ثانٍ صدر عام 1906 بعنوان: «مقدمة لتحليل بعض الظواهر الدينية».

ويعتبر هذا النص من الأعمال المبكرة في هذا المجال، وجزءًا لا يتجزأ من العمل الجماعي الذي ميّز المدرسة الاجتماعية الفرنسية التي كان إميل دوركايم -وهو خال مارسيل موس- زعيمها بلا منازع. ففي عام 1894، كان دوركايم قد نشر بالفعل كتابه المرجعي «قواعد المنهج في علم الاجتماع»، وسبق عمل موس حول القربان بمقال حول «تعريف الظواهر الدينية» عبّر فيه بطريقة توليفية عن تصوّره للإناسة الدينية. غير أن موس، بالرغم من ميله طوال حياته البحثية الباهرة لبعض الرؤى البراقة والفضول الذي لا يشبع، لم يذهب إلى حد التشكيك في ميراث الخال دوركايم. وبذلك ظلت المدرسة بأكملها تعتقد في أولوية الجماعة على الفرد التي تُعبّر عن نفسها من خلال الدين، بحيث يظهر المقدَّس بوصفه «التعبير الرمزي عن الاجتماعي» والدين «تجسّدًا» لوعي المجتمع بذاته.

لماذا تولّى البشر في كل مكان وزمان تقديم قرابين إلى الآلهة؟ هل كان تقرّبًا منها لنيل نعمها، أم لشكر أفضالها دون انتظار أي مقابل؟ ما خفايا هذا الطقس وأشكاله ورهاناته؟ يعتقد مارسيل موس وهنري هوبير في «كتاب القُربان: مقالة في طبيعة القربان ووظيفته» (دار معنى، الرياض، 2021)، الذي ترجمه بإتقان محمد الحاج سالم، أن القُربان هو أفضل أدوات التواصل بين الإنسان والقوى العليا، وأن العمل على فهمه يعني الإحاطة بجوهر التدين عند الشعوب الغابرة.

أعاد موس وهوبير صياغة الإشكال الرئيس لشعيرة القُربان انطلاقًا من السؤال التالي: ما هو القربان؟ وكيف يمكن مقاربته إناسيًا؟ وما هو التأثير الاجتماعي والنفسي للقربان في حياة المجتمعات والأفراد؟

لقد حاول موس وهوبير إبداء مجموعة من الملاحظات حول التصور الذي قدَّمه روبرتسون سميث للقُربان بوصفه هدية يقدِّمها الإنسان للآلهة تقرّبًا منها واتقاءً لردود فعلها تجاه ما يرتكبه من خطايا. فالقُربان اعتراف وهدية وتكريم. وقد انتقدا طوطمية سميث، وربطه القُربان بسعي الأفراد إلى الحفاظ على انتسابهم إلى طوطمهم بوصفه «الإله والأب» بما يضمن الحياة المشتركة بينهم من خلال ما يوفره من تشارك في وليمة جماعية إيلافية واتحاد بالطوطم، واعتبرا أن نظرية سميث لم تعمل على تفسير وظيفة القُربان بشكل دقيق في حياة الفرد المؤمن. كما انتقدا ما رآه السير جيمس فريزر من أن القرابين متشابهة في معظم الحضارات بوصفها تنطلق من الهدف نفسه؛ وهو ضمان وحدة الجماعة، وتنتهي إلى النهاية نفسها؛ وهي إفناء الأضاحي بالحرق أو بالأكل. ففي رأي مؤلفي الكتاب، وقع سميث وفريزر في خطأ منهجي؛ إذ اكتفيا بدلًا من تحليل الأبعاد المعقدة للقُربان بوصف بعض صوره من حضارات مختلفة وتجميعها في نماذج مغلقة بناءً على ما اعتقداه تماثلًا ظاهريًا بينها. ولذلك يميّز موس وهوبير بين نوعين من القرابين، يشمل الأول الأضاحي التي لا يكتمل طقس القربان إلا بإتلافها وإفنائها، ويشمل الثاني الأضاحي غير المتلفة مثل تقديم الحبوب وبواكير الثمار.

أما مستويات القربان، فيمكن الحديث عن مستويين: الأول يكون فيه القُربان فرديًا يُحقّق من خلاله الفرد منفعة ذاتية مباشرة، مثل التخلص من خطيئة أو تحقيق أمنية شخصية. أما الثاني، فيكون فيه القُربان جماعيًا وتُحقّق من خلاله العشيرة أو القبيلة منفعة جماعية، مثل الاستمطار أو طلب دفع شرور غزوٍ وما شابه ذلك. وبما أن مناسبات تقديم القرابين متعددة، فإن الأهداف المرجوة من القرابين متعددة هي الأخرى، وهو ما يطال موادها أيضًا والوسائل المعتمدة فيها. ومن هنا يمكن تقسيم القرابين حسب أصنافها إلى صنفين رئيسين: صنف القرابين المؤقتة والطارئة، وتشمل القرابين النذرية والقرابين الاستشفائية التي تهدف إلى جلب الشفاء وطرد الأمراض؛ وصنف القرابين الثابتة والموسمية، والتي تشمل القرابين اليومية وقرابين الاحتفال باكتمال القمر والأعياد الموسمية والرعوية مثل قرابين بواكير الثمار والمحاصيل الزراعية. كما يمكن تصنيف القرابين أيضًا حسب الغايات المرجوة منها، وهو ما يجعلها تنتظم في أربعة أصناف رئيسة، وهي: قرابين التكفير وقرابين التوحيد الديني، وقرابين اكتساب سمة مقدّسة، ثم قرابين التخلص من سمة مدنّسة. غير أن القرابين مهما تعددت بتعدد المجتمعات الإنسانية، إلا أنها تظل في العموم متشابهة من حيث المنطلق والغايات.

كما بيّن موس وهوبير أن القربان يتطلب الالتزام بمجموعة من الطقوس المصاحبة والتي تكفل للمؤمن «المضحّي» الدخول في الشعيرة والانتقال من عالم المدنّس إلى عالم المقدّس.

ويتوصل موس وهوبير في هذه الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات، لعل أهمها ارتباط القُربان في جميع الديانات بمفهومين مركزيين هما: المقدّس والمدنّس. ففي القُربان يوجد دومًا تقديس للضحية. كما يستنتج الباحثان أن جميع طقوس القُربان تكون شديدة التعقيد وتتطلب ترتيبًا عاليًا ودقةً كبيرة، بحيث قد يؤدي أي خطأ إجرائي في التوقيت أو الترتيب إلى إلغائها، مع ما في ذلك من خطر شديد على القائمين بالطقس.

وبشكل عام، فإن وظائف القُربان متعددة وأهمها: التكفير عن الخطايا، وطلب جلب منفعة أو دفع مضرّة، والتقرّب إلى الآلهة واسترضاؤها، والعرافة وطلب معرفة الغيوب، ومحاولة إلحاق الأذى بعدو، والاشتراك في الأكل من لحم مقدّس، إلخ… ومهما تعددت هذه الوظائف وحضر بعضها أو جميعها في طقس قُربان واحد، فإن سمتها المميزة هي ارتباطها بشكل وثيق بوظيفة مركزية كبرى هي إخراج المضحّي من عالم مدنّس وإدخاله إلى عالم مقدّس.

وأخيرًا، ومهما كانت النظرة التي يحملها غير المؤمن تجاه الطقوس القربانية؛ إذ يراها البعض مجرد عبث وممارسات خرافية، فقد عمل موس وهوبير على إظهار حقيقة أخرى تفيد أن هذه الشعائر الدينية أضحت على مر الزمان حقائق اجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة التجمعات البشرية، وأن الرموز التي تحملها الأضحية إنما تُعبّر عن معتقدات اجتماعية هي ما يضمن تلاحم الجماعة، ويضمن بقاءها في دائرة القداسة، ويحفظ ممتلكاتها، وحقولها، ومنازلها، ويحفظها من كل غضب إلهي.
وفي كلمة، فإن القُربان في جميع الديانات وباختلاف الأزمنة والأمكنة، عامل أساسي لضبط إيقاع الحياة البشرية وتوازنها مع نظام الطبيعة.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اقرا من المصدر

#القربان. #بين #المقدس #والمدنس #مصراوى

اخبار مصر لحظة بلحظة

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *