اخبار مصر
في القاهرة، تلك المدينة التي تتكئ على ألف عام من الحكايات، لا يمكن للفن أن يكون عابرا، ولا يجوز للذاكرة أن تُترك وحدها في مهب النسيان. فهذه المدينة التي قامت حضارتها على النيل، وعلى المعابد، وعلى الحكايات التي تناقلها الناس جيلا بعد جيل، تعرف جيدا أن الثقافة ليست زينة توضع في المواسم، بل روح تسري في جسد الأمة منذ آلاف السنين.
في إحدى ليالي رمضان، اجتمع الناس في ساحة الهناجر، داخل دار الأوبرا المصرية، حيث أقيمت الليلة الثانية عشرة من برنامج «هل هلالك». هناك بدا المشهد وكأنه صفحة من كتاب قديم عن القاهرة؛ مدينة تجتمع فيها الأصوات، وتختلط فيها المدائح بالأنغام، ويتجاور فيها الماضي مع الحاضر في صورة تكاد تشبه الحلم.
حين بدأت المدائح النبوية ترتفع في المكان، لم يكن الصوت مجرد أداء فني، بل كان أشبه بنداء قديم يوقظ الذاكرة. المنشدون من شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية التابعة للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية أعادوا إلى المكان روحا يعرفها المصريون منذ قرون. كلمات مثل «قمر سيدنا النبي» و«المسك فاح» لم تكن مجرد أغنيات، بل مفاتيح تفتح أبواب الوجدان الشعبي.
ولمن يعرف تاريخ مصر، يدرك أن هذا المشهد ليس وليد اللحظة. فالمصري منذ فجر التاريخ عرف طقوس الغناء الجماعي والإنشاد. في المعابد الفرعونية كانت التراتيل تُرفع في حضرة الآلهة، وفي العصور الإسلامية ارتفعت المدائح الصوفية في ساحات المساجد والزوايا. هكذا ظل الصوت البشري عبر آلاف السنين وسيلة المصري للتعبير عن الإيمان والجمال معا.
وحين دارت التنورة في ساحة المسرح، بدا الأمر وكأنه امتداد لذلك الإرث الطويل. فالدوران الذي يراه البعض مجرد استعراض فني، هو في الحقيقة صورة رمزية لدورة الزمن في الثقافة المصرية. فالفنون هنا لا تموت، بل تعود دائما في أشكال جديدة، كما يعود النيل كل عام ليملأ الأرض بالحياة.
هذه الحقيقة هي ما يجعل برنامج «هل هلالك» تجربة ثقافية جديرة بالتأمل. فالمسألة لا تتعلق بعرض فني يقام في رمضان، بل بمحاولة لإعادة إحياء صلة المجتمع بذاكرته الثقافية. فحين يجتمع الناس حول المدائح والإنشاد والموسيقى الشعبية، فإنهم في الحقيقة يعيدون اكتشاف جزء من هويتهم.
وفي قلب هذا المشهد يظهر دور جيهان زكي، وزيرة الثقافة، التي تبدو مدركة لحقيقة أن الثقافة المصرية لا يمكن أن تُختصر في الفعاليات الرسمية أو المناسبات الموسمية. فالدكتورة جيهان زكي، بحكم دراستها العميقة للحضارة المصرية، تدرك أن هذه البلاد لم تصنع مجدها بالسلاح وحده، بل بالفكر والفن والمعرفة.
ومن يتأمل طبيعة الفعاليات التي تقدمها وزارة الثقافة في السنوات الأخيرة، يلحظ محاولة واضحة لإعادة الاعتبار للفنون الشعبية والروحانية. فهذه الفنون ليست مجرد تراث محفوظ في الكتب، بل هي ذاكرة حية ينبغي أن تظل حاضرة في وجدان المجتمع.
ولعل قرار إتاحة برنامج «هل هلالك» مجانا للجمهور يعكس هذه الرؤية بوضوح. فالثقافة في جوهرها ليست امتيازا لفئة محددة، بل حق أصيل لكل إنسان. وحين تُفتح أبواب المسرح للجميع، فإن الرسالة تصبح واضحة: الفن يجب أن يعود إلى الناس.
ولم يكن غريبا أن تمتلئ الساحة بالعائلات والشباب والأطفال. فالمصري بطبيعته عاشق للفن، لكنه يحتاج فقط إلى أن يجد هذا الفن قريبا منه. وحين يحدث ذلك، يتدفق الجمهور كما يتدفق الماء في مجرى النهر.
ويبدأ البرنامج كل ليلة بعمل فني صار جزءا من الذاكرة الثقافية المصرية، هو أوبريت الليلة الكبيرة، الذي كتب كلماته صلاح جاهين ولحنه سيد مكاوي، وقدمه مسرح القاهرة للعرائس قبل عقود طويلة. هذا العمل ليس مجرد عرض مسرحي، بل لوحة حية تعكس روح المجتمع المصري بكل ما فيه من بساطة وبهجة.
لكن بعد أن تنتهي الليالي الرمضانية، يظل السؤال مطروحا: لماذا لا تستمر هذه الحالة الثقافية في بقية أيام العام؟
القاهرة التي استطاعت أن تجمع الناس حول الفن في هذه الساحة الصغيرة، قادرة على أن تفعل ذلك كل يوم. فالمدن العظيمة لا تعيش بالمباني وحدها، بل تعيش بما فيها من موسيقى وحكايات وأصوات.
لقد عرفت مصر عبر تاريخها الطويل حياة ثقافية نابضة. كانت الفنون جزءا من إيقاع الحياة اليومية، وكانت المسارح والساحات فضاء مفتوحا للغناء والحكي. لكن مع مرور الوقت، أصبحت هذه الحياة الثقافية تظهر في المواسم وتختفي بعدها.
ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على التجارب الناجحة مثل «هل هلالك». فالمطلوب ليس فقط أن يستمر البرنامج في رمضان، بل أن تتحول روحه إلى تقليد ثقافي دائم.
فالثقافة المصرية التي صمدت آلاف السنين تستحق أن تكون حاضرة في حياة الناس كل يوم. وحين يحدث ذلك، لن يكون الفن مجرد احتفال موسمي، بل سيعود إلى مكانه الطبيعي… جزءا من نبض مصر التي لا تنسى تاريخها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
اقرا من المصدر
#القاهرة #تعود #إلى #صوتها #القديم. #الفن #يحمي #هوية #الأمة
اخبار مصر لحظة بلحظة