اخبار مصر
أحدثت الحرب الإيرانية الأمريكية ارتباكًا لدى الرأي العام العالمي والعربي أكثر من خسائر الحرب ذاتها. فلا تكاد تمر ساعة حتى تنهمر بيانات ومعلومات من كل حدب وصوب، معظمها متناقض أو يتنافى مع المنطق. وفي خضم هذا السيل الجارف من المعلومات يجد معظم الناس أنفسهم في متاهة وحيرة وارتباك.
وفي حين أن مصطلحي المعلومات المغلوطة والمعلومات المُضلِلة غالبا ما يُستخدمان بالتبادل، فإن التمييز الحاسم بينهما يكمن في القصد. ويعد فهم هذا الاختلاف أمرا ضروريا للتعامل مع مشهد المعلومات الحديث.
إن أبسط طريقة للتمييز بين المصطلحين هي من خلال النظر فيما إذا كان الشخص الذي يشارك المعلومات يعرف أنها خاطئة، وما إذا كان يقصد التسبب في ضرر. فالمعلومات المغلوطة أو الكاذبة Misinformation هي معلومات غير دقيقة ويتم مشاركتها أو إنشاؤها دون نية إحداث ضرر. أما المعلومات المُضلِلة Disinformation فهي معلومات زائفة يتم مشاركتها أو إنشاؤها عمدا للخداع أو التسبب في ضرر. فمنشئ المعلومة يعلم جيدا أنها معلومات كاذبة. كما تختلف دوافع الفرد الذي يشارك المعلومات في كلتا الحالتين: فالذي يشارك معلومات خاطئة أو مغلوطة قد يرغب في التواصل الاجتماعي أو يكون هو نفسه واقعا تحت ضغط. أما الذي يشارك معلومات كاذبة مُضلِلة فيهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية أو تخريب أو الحصول على ربح مالي. مثال: العمليات السوداء Deepfakes.
وإذا أردنا إعطاء أمثلة عامة على نوعي المعلومات الخاطئة/المغلوطة والمُضلِلة، يمكن القول إن مشاركة شخص ما لوصفة أو علاج طبي عبر منصات التواصل الاجتماعي هو من قبيل المعلومات المغلوطة لأن هذا العلاج قد لا يعمل بالفعل، إلا أن نيتهم قد تكون منعقدة على إعطاء أمل للمرضى أو مساعدتهم. ولكن تظل المعلومات التي يشاركونها غير صحيحة علميا.
أما المعلومات المُضلِلة (معلومات الخداع المتعمد) فيتم تنظيمها وتنسيقها لزرع الشك أو نزع الشرعية عن قضية معينة أو صرف انتباه الجمهور عن قضية محددة. مثال: نشر قصص ملفقة عن مرشح سياسي للإضرار بسمعته وللتأثير على فرص نجاحه في الانتخابات.
ويساعد التمييز بين نوعي المعلومات على تحديد كيفية الاستجابة والانتباه إلى ضرورة تحديد المصدر وتفكيك البنى التحتية للمعلومات، مثل تحديد المنصات وتجفيف مصادر تمويلها.
وفي الصراعات الجيوسياسية كالحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، يتم استخدام العمليات السوداء من خلال إنشاء صور ومقاطع فيديو بواسطة الذكاء الاصطناعي لتبدو وكأنها حقيقية، أو وضع تصريحات وبيانات على لسان بعض قادة الدول المشاركة في الحرب غير حقيقية. والنية والقصد من وراء ذلك هو التضليل والخداع وتأجيج الحرب النفسية بين الدول والمجتمعات المتصارعة.
ونظرا لتعدد وسائل التواصل الاجتماعي واختلاف الشركات والدول التي تُسيِّرها وتسيطر عليها، ومن ثم تباين مصالحها، فقد كثرت المعلومات المُضلِلة والمزيفة التي يتم تدويرها ومشاركتها.
وتعد كثير من التصريحات والصور التي تصاحب الحرب الإيرانية الأمريكية أكبر مثال معاصر على مشاركة معلومات مغلوطة أو مُضلِلة. فتصريحات الجانبين الإيراني والأمريكي عن الدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب، ثم تغيير وتبديل تلك التصريحات بعد نشرها بوقت قصير، إنما تدخل في إطار الحرب النفسية بين الجانبين. كما أن نشر صور عن المنشآت والأفراد الذين تم إصابتهم على الجانبين الإيراني والإسرائيلي إنما يهدف إلى تضخيم قدرات الجانبين على إحداث خسائر بشرية ومادية فادحة، مما يساعد على حدوث حالة من الذعر واندلاع الاضطرابات المدنية في المدن الإيرانية والإسرائيلية.
إن الروايات المتضاربة التي تواكب مسار الحرب الإيرانية الأمريكية هدفها زعزعة الاستقرار في المنطقة وفي العالم، والخلط بين السبب والنتيجة، وفقدان الثقة في المؤسسات الرسمية على كلا الجانبين، واستمرار تقويض الثقة في القانون الدولي.
ومما لا شك فيه أن أطراف الصراع المباشرين وغير المباشرين مستفيدة من إحداث هذا الارتباك والاضطراب في الرأي العام العربي والعالمي، وأنه على الأجهزة المعنية الإعلامية والفنية والأمنية توعية وتبصير الرأي العام العالمي بأهمية تدقيق المعلومات والبحث عن مصادرها. وتظهر الأمثلة السابقة أنه في حين أن المعلومات المغلوطة هي مسألة محو الأمية (تعليم الناس كيفية التحقق من التواريخ والمصادر)، فإن المعلومات المُضلِلة هي مسألة أمنية (الدفاع ضد العمليات النفسية النشطة).
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
اقرا من المصدر
#الحرب #الإيرانية #بين #المعلومات #المغلوطة #والمعلومات #المضللة
اخبار مصر لحظة بلحظة

