اخبار مصر
لم يكن الإعلام في مصر يومًا مجرد شاشة مضيئة تتناوب عليها الوجوه، ولا منصة مفتوحة لكل من يرغب في الظهور، بل كان عبر عقود طويلة أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي العام. فالكلمة التي تُقال عبر شاشة التليفزيون لا تذهب إلى فرد واحد، بل تصل إلى ملايين المشاهدين، ولذلك ظل الإعلام لعقود طويلة مهنة لها قواعد صارمة ومعايير واضحة، لا يدخلها إلا من امتلك قدرًا من التأهيل والثقافة والمسؤولية.
لكن المشهد الإعلامي في السنوات الأخيرة بدأ يشهد ظاهرة لافتة أثارت الكثير من الجدل داخل الوسط الإعلامي وخارجه، وهي قيام بعض الأشخاص بشراء ساعات بث على بعض القنوات الفضائية لتقديم برامج تليفزيونية، وهو ما فتح الباب أمام ظهور وجوه لا تنتمي بالضرورة إلى المجال الإعلامي، ولا تمتلك في كثير من الأحيان الخلفية المهنية أو الثقافية التي تؤهلها للحديث إلى الجمهور.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد همس داخل أروقة الوسط الإعلامي، بل وصلت إلى قبة البرلمان، حيث شهدت لجنة الثقافة والآثار والإعلام بمجلس النواب مناقشات موسعة حول هذه القضية، بحضور المهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
وخلال هذه المناقشات طرحت النائبة لبنى عبد العزيز تساؤلات مهمة حول دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في التصدي لهذه الظاهرة، مشيرة إلى أن بعض مقدمي البرامج الذين يظهرون على شاشات التليفزيون لا يمتلكون المؤهلات العلمية أو المهنية التي تؤهلهم لتقديم برامج أو مناقشة قضايا عامة تمس المجتمع. بل إن بعضهم – كما ذكرت – لا يتجاوز مؤهله العلمي دبلوم الصنايع، ومع ذلك يظهر كمقدم برامج يخاطب الجمهور ويتناول ملفات اجتماعية وإعلامية شائكة.
وفي تعقيبه على هذه الملاحظات أوضح المهندس خالد عبد العزيز أن ما يُثار بشأن بيع الهواء لا يتم خارج الإطار القانوني، مشيرًا إلى أن بعض البرامج تأتي في إطار ما يعرف بالإنتاج المشترك، وهو أحد الأطر القانونية المنظمة للتعاقدات المتعلقة بالمحتوى التليفزيوني. كما أكد أن منح تصاريح مزاولة المهنة يقع في الأساس ضمن اختصاص نقابة الإعلاميين، باعتبارها الجهة المسؤولة قانونًا عن تنظيم ممارسة العمل الإعلامي.
غير أن هذه الإجابة القانونية أعادت طرح سؤال أعمق يتعلق بمستقبل المهنة نفسها: كيف يمكن الحفاظ على هيبة الإعلام إذا أصبح الظهور على الشاشة مرتبطًا بالقدرة المالية أكثر من ارتباطه بالكفاءة المهنية؟
فإذا عدنا إلى الوراء قليلًا، سنجد أن الإعلام المصري قام في الأصل على مدرسة مهنية صارمة. لم يكن الطريق إلى الميكروفون أو إلى كاميرا التليفزيون طريقًا سهلًا، بل كان يمر عبر سنوات طويلة من التعلم والتدريب والعمل الصحفي والإذاعي.
لقد عرف المشاهد المصري أسماء تحولت مع الزمن إلى علامات في تاريخ الإعلام، مثل الإذاعي الشهير أحمد سعيد الذي ارتبط اسمه بإذاعة صوت العرب، والإعلامية اللامعة ليلى رستم التي مثلت نموذجًا للرقي والاحتراف في التقديم التليفزيوني، وكذلك الإعلامي حمدي قنديل الذي عُرف بعمق تحليله السياسي وقوة حضوره الفكري، إلى جانب الإعلامي أحمد سمير الذي جمع بين الثقافة الإعلامية والقدرة على التواصل الواعي مع الجمهور.
هؤلاء لم يظهروا على الشاشة لأنهم أرادوا الظهور فقط، بل لأنهم امتلكوا أدوات المهنة. كانوا يدركون أن الإعلام ليس مجرد حديث أمام الكاميرا، بل رسالة لها أثر في تشكيل وعي المجتمع. ولذلك كانت المدرسة الإعلامية القديمة تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية: أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للشهرة.
أما اليوم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ظهور بعض الوجوه غير المؤهلة، بل في أن تتحول الشاشة تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة لمن يمتلك القدرة على الدفع، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستوى الخطاب الإعلامي، وإلى فقدان جزء من الثقة التي بناها الإعلام المصري عبر عقود طويلة.
فالإعلام ليس تجارة عادية يمكن إدارتها بمنطق العرض والطلب فقط، بل هو مهنة ترتبط بتشكيل العقول وتوجيه الرأي العام. ولذلك فإن ترك المجال بلا ضوابط واضحة قد يؤدي إلى حالة من الفوضى المهنية التي يصعب علاجها لاحقًا.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به نقابة الإعلاميين في هذه المرحلة. فالقانون منح النقابة سلطة إصدار تصاريح مزاولة المهنة، وهذه السلطة لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء إداري، بل يجب أن تتحول إلى أداة لحماية المهنة والحفاظ على معاييرها.
وفي هذا السياق تتجه الأنظار إلى نقيب الإعلاميين الدكتور طارق سعدة، من أجل اتخاذ خطوات حاسمة لتنظيم هذا الملف، والعمل على مواجهة ظاهرة شراء ساعات البث التي سمحت بظهور بعض مقدمي البرامج غير المؤهلين مهنيًا.
إن حماية الإعلام ليست مسؤولية جهة واحدة، لكنها تبدأ أولًا من احترام قواعد المهنة. فالشاشة ليست مجرد إطار للصورة، بل مرآة لوعي المجتمع، وإذا اختل ميزان المهنية داخلها فإن الأثر لا ينعكس على الإعلام فقط، بل يمتد إلى المجتمع كله.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة تفرض ضرورة التحرك الجاد لضبط المشهد الإعلامي، حتى يظل التليفزيون المصري منبرًا يحترم عقل المشاهد ويحافظ على مكانة الإعلام بوصفه رسالة قبل أن يكون مجرد وسيلة للظهور.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
اقرا من المصدر
#الإعلام #بين #المهنية #والمال. #من #يوقف #فوضى #شراء #الهواء #وضبط #المشهد #الإع
اخبار مصر لحظة بلحظة

